أمضى ميكل أرتيتا مسيرته التدريبية بالكامل في ظل بيب جوارديولا، لكن قيادته أرسنال إلى أول لقب له في الدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم منذ عام 2004 أثبتت أخيرا أن التلميذ بات قادرا على مجاراة أستاذه.
وربما يرى البعض أن هذا الإنجاز جاء متأخرا، وربما ينتقد آخرون أسلوب لعب الفريق، لكن بعد ثلاثة مواسم متتالية من الاكتفاء بالمركز الثاني، بدأ أرسنال أخيرا يجني ثمار ثقته في أرتيتا.
فكثيرون حاولوا -وفشلوا- تقليد الأسلوب البديع الذي طبع فرق جوارديولا، والتي حصدت 17 لقبا كبيرا خلال عقد كامل، بينها ستة ألقاب في الدوري الإنجليزي الممتاز.
وكان أرتيتا قد عايش تلك العبقرية عن قرب خلال ثلاث سنوات قضاها مساعدا في مانشستر سيتي، وكان من الممكن أن يُعذر لو اكتفى بنسخ نهج مدربه السابق كما هو. لكن بدلا من ذلك، صاغ شخصية فنية خاصة به، تقوم على السيطرة في الملعب، والضغط العالي، والانضباط الدفاعي، وقبل كل شيء، الالتزام الجماعي الصارم.
كما لم يتردد المدرب القادم من سان سيباستيان في توظيف ما يُعرف "بالحيل الخفية" في كرة القدم، ليحول أرسنال من فريق كان يُنظر إليه سابقا على أنه سهل الاختراق، إلى فريق ناضج يعرف كيف يحسم المباريات الصعبة، حتى دون تقديم أداء جمالي لافت.
وكان للاهتمام بالتفاصيل، ولا سيما الجمل التكتيكية المعدة مسبقا، دور محوري في تحرر أرسنال من عقدة الاقتراب دون التتويج.
وجاء تعيين نيكولاس جوفر مدربا للكرات الثابتة في 2021 كضربة موفقة عززت فاعلية الفريق في هذا الجانب.
ملوك الركنيات
وحطم أرسنال الرقم القياسي في الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم من حيث عدد الأهداف المسجلة من الركنيات، وكان هدف كاي هافرتس في شباك بيرنلي، يوم الاثنين الماضي، رقم 18 في هذا الإطار.
وجاء أكثر من ثلث أهداف الفريق من الكرات الثابتة، كما حقق الفوز بنتيجة 1-صفر في ثماني مباريات، وهو ما يعكس صلابته وقدرته على حسم اللقاءات بأقل الفوارق.
ورغم أن بعض النقاد وصفوه بأنه "أقل الأبطال إمتاعا"، فإن أرتيتا وجماهير أرسنال لا يبالون كثيرا بمثل هذه الأحكام، بل إن معظم المنافسين يدركون صعوبة مجابهة هذا الأسلوب.
وقال مدربه السابق في إيفرتون، ديفيد مويز: "لقد تابعتم ميكل لسنوات، لديه أساليبه الخاصة، كما هو حالنا جميعا حين نسعى بشدة للفوز".
وأضاف: "عليك أن تجد طرقا للانتصار، فهذا جزء أساسي من العمل. يمكنك اللعب بشكل جميل كما تشاء، لكن الأهم هو الفوز".
طريق لم يكن مفروشا بالورود
لم يكن طريق أرتيتا نحو المجد سهلا منذ توليه المهمة خلفا لأوناي إيمري في 2019. فبعد التتويج بكأس الاتحاد الإنجليزي في موسمه الأول، أنهى أرسنال الدوري في المركز الثامن، وهي النتيجة التي تكررت في الموسم التالي، لتتوقف سلسلة امتدت 25 عاما من المشاركة الأوروبية.
بلغت الضغوط ذروتها في موسم 2021-2022، عندما حقق أرسنال أسوأ بداية له منذ عام 1954، بخسارة أول ثلاث مباريات دون تسجيل أي هدف، ومن بينها هزيمة قاسية 5-صفر أمام مانشستر سيتي وضعت الفريق في قاع الترتيب.
في ذلك الوقت، خرج جوارديولا للدفاع عن تلميذه قائلا: "إنه أكثر من مجرد مدرب جيد… ثقوا به وسينجح".
ورغم تعافي الفريق لاحقا، عادت الضغوط في نهاية الموسم بعد خسارة سباق المركز الرابع أمام توتنهام، في لحظة شكلت نقطة تحول في علاقة أرتيتا مع الجماهير.
وفي الموسم التالي، انطلق أرسنال بقوة، محققا الفوز في 13 من أول 14 مباراة في جميع المسابقات، لتتغير الأجواء في ملعب الإمارات بشكل كامل.
وعمل أرتيتا بجد على إعادة شغف الجماهير، بعد سنوات من الفتور في أواخر عهد أرسين فينجر، قائلا: "نحتاج إلى إشعال المدرجات، ليكونوا جزءا من كل لحظة. هذا يحدث فارقا كبيرا".
ولعب دورا مباشرا في ذلك، حتى في التفاصيل الرمزية، مثل اختياره لأغنية "شمال لندن إلى الأبد" لتكون نشيدا قبل المباريات.
من مطاردة اللقب إلى التتويج
وأصبح أرسنال المنافس الأبرز لمانشستر سيتي، لكن بعض الهفوات في الأمتار الأخيرة كلفته اللقب في موسم 2022-2023، ثم خسره مجددا في اليوم الأخير من الموسم التالي. لكن التعاقدات الأخيرة، مثل إبريتشي إيزي، وفيكتور يوكريش، ومارتن زوبيميندي، جاءت لمسات نهائية لمشروع كان أساسه قد اكتمل بالفعل.
واليوم، يقف أرتيتا ندا لجوارديولا، بعدما أعاد تشكيل أرسنال فريقا يجمع بين الصلابة والانضباط من جهة، والمهارة والإبداع من جهة أخرى، ليؤكد أن التلميذ بلغ مرحلة المنافسة الحقيقية مع أستاذه.





















