على مدار أكثر من عقد، كان سعي باريس سان جيرمان إلى المجد الأوروبي ينتهي كل ربيع بخيبة مألوفة، بعدما تحولت الطموحات الكبرى إلى إخفاقات متكررة في الأدوار الإقصائية.
وتكبد الفريق هزائم مؤلمة أمام برشلونة ومانشستر يونايتد، وأنفق بسخاء في سوق الانتقالات، لكن الشعور بالاضطراب ظل حاضراً كلما اقتربت مرحلة الحسم.
اليوم، وبعد سنوات من محاولة شراء الهيبة القارية، يقف باريس سان جيرمان على أعتاب ترسيخ مكانته بين كبار أوروبا، وهو يطمح إلى تكرار إنجاز العام الماضي في دوري أبطال أوروبا.
فالفوز على أرسنال في نهائي يوم السبت في بودابست لن يضيف لقباً جديداً إلى خزائن "قطر للاستثمارات الرياضية" فحسب، بل سيكرس تحول النادي من مشروع لامع مدعوم مالياً إلى قوة مهيمنة على الساحة الأوروبية.
وقبل عقد، كان باريس سان جيرمان فريقاً يبحث عن الاعتراف، أما اليوم فيخوض النهائي بصفته حامل اللقب، بعدما تجاوز اختبارات حقيقية على الطريق.
باريس سان جيرمان.. اكتمال الصورة
يبدو الفريق الباريسي الآن أكثر اكتمالاً بعد تخليه عن نموذج "النجوم فوق الفريق" الذي طبع تاريخه الحديث.
وفرض رحيل نيمار وليونيل ميسي، ثم كيليان مبابي، إعادة صياغة الفلسفة تحت قيادة لويس إنريكي، الذي استبدل الفردية بثقافة جماعية صارمة قائمة على الكثافة والانضباط.
وتسلم المدرب الإسباني فريقاً مشغولاً بالأسماء اللامعة، فحوله إلى منظومة متماسكة.
وبات عثمان ديمبلي تجسيداً لهذا التحول؛ فبعدما عُرف بمراوغاته غير المتوقعة، أصبح حجر الأساس في منظومة الضغط، وهو ما أكده لويس إنريكي مراراً قبل النهائي. وحوله، تشكلت مجموعة شابة وحيوية تضم ديزيري دوي، وجواو نيفيز، وفيتينيا، وخفيشا كفاراتسخيليا، مانحة الفريق توازناً فنياً وبدنياً جعله أكثر صلابة وأقل هشاشة في اللحظات الصعبة.
طريق التعافي إلى بودابست
مسيرة باريس سان جيرمان نحو النهائي صقلت شخصيته على نحو غير مسبوق.
تجاوز كبار أوروبا، وتفوق على منافسين إنجليز، ثم أطاح ببايرن ميونيخ في قبل النهائي بأسلوب جمع بين القوة الهجومية والانضباط التكتيكي.
وكان الانتصار الساحق 5-صفر على إنتر ميلان في نهائي الموسم الماضي لحظة مفصلية غيرت نظرة القارة للفريق؛ إذ تحول من تجربة مكلفة إلى مشروع يبدو وكأنه بداية حقبة جديدة.
ولا يزال ريال مدريد الفريق الوحيد الذي نجح في الاحتفاظ باللقب في العصر الحديث، لكن سان جيرمان يمتلك الآن فرصة نادرة للانضمام إلى هذه النخبة.
اختبار أرسنال.. صراع الأسلوبين
يمثل أرسنال تحدياً مختلفاً، ليس فقط فنياً، بل فكرياً أيضاً. فبينما كان باريس سان جيرمان رمزاً للفوضى الهجومية، جاء صعود أرسنال مع ميكل أرتيتا عبر بناء منهجي وصبور قائم على الانضباط.
ووصف لويس إنريكي الفريق اللندني بأنه "الأفضل في العالم دون كرة"، مشيداً بتنظيمه الدفاعي وضغطه الجماعي. وإذا كان سان جيرمان يجسد الحرية الهجومية، فإن أرسنال يمثل السيطرة المطلقة.
وقد تحدد المباراة بقدرة أرسنال على خنق تحولات الفريق الفرنسي، أو نجاح ديمبلي ورفاقه في جر اللقاء إلى المساحات المفتوحة التي يتألقون فيها.
وبالنسبة لباريس سان جيرمان، الرهان يتجاوز مباراة واحدة. لقد حقق بالفعل اللقب الذي طارده طويلاً، لكنه الآن مطالب بإثبات أن تتويج العام الماضي لم يكن استثناءً… بل بداية عهد جديد.