في خُطوة تعكس توجُّه المملكة نحو تطوير المنظومة العدلية وتعزيز كفاءة التقاضي والتنفيذ، جاءت لائحة قسمة الأموال المشتركة كواحدة من أبرز التشريعات التنظيمية الحديثة التي تستهدف معالجة النزاعات المرتبطة بالتركات والأموال المملوكة على الشيوع بين الورثة أو الشركاء، وذلك ضِمن مشروع التحديث التشريعي والتحول الرقمي الذي تشهده السعودية في مختلف القطاعات العدلية والتنظيمية.
وشكّلت قضايا الأموال المشتركة لسنوات طويلة، أحد أكثر الملفات تعقيدًا داخل المحاكم، بسبب تعدد الأطراف وتشابك المصالح والخلافات المتعلقة بالتقييم أو الإدارة أو البيع أو توزيع الأنصبة، الأمر الذي كان يؤدي في كثير من الحالات إلى تعطيل الأصول لفترات طويلة وتأخر وصول الحقوق إلى مستحقيها، فضلًا عن تجميد الاستفادة من العقارات والأموال والاستثمارات المشتركة.
وجاءت اللائحة الجديدة لتضع إطارًا قانونيًا وتنفيذيًا أكثر وضوحًا ومرونة، ينقل قضايا القسمة من مجرد نزاع قضائي طويل إلى مسار تنفيذي مباشر ينتهي بتسليم الحقوق لأصحابها دون الحاجة إلى دعاوى لاحقة مطولة، كما عززت اللائحة التحول الرقمي عبر ربط إجراءات القسمة إلكترونيًا بمنصة "قسمة التركات"، وتوسيع دور مركز الإسناد والتصفية "إنفاذ" في الإشراف على عمليات التصفية والبيع وإدارة الأصول داخل المملكة وخارجها.
وتعكس هذه اللائحة توجه المملكة نحو بناء منظومة عدلية أكثر سرعة وكفاءة وشفافية، لا تقتصر على الفصل في الخصومات فحسب، بل تمتد إلى إدارة الحقوق والأصول وحماية الاستثمارات وتحقيق الاستقرار الأسري والاقتصادي، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى رفع كفاءة القضاء وتعزيز الثقة في البيئة العدلية والتنظيمية.
لماذا صدرت اللائحة وما الذي تنظمه؟
صدرت لائحة قسمة الأموال المشتركة لمعالجة عدد من الإشكالات المزمنة التي كانت تواجه الورثة والشركاء في الأموال المملوكة على الشيوع، وفي مقدمتها تعطل التركات والأصول لسنوات بسبب الخلافات المتعلقة بالتقييم أو الإدارة أو البيع، إضافة إلى غياب آلية تنفيذية مباشرة تربط حكم القسمة بتنفيذه فعليًا، ما كان يستلزم رفع دعاوى إضافية بعد صدور الأحكام.
كما استهدفت اللائحة الحد من حالات إخفاء الأصول أو التلاعب بها، خاصة الأموال والاستثمارات الموجودة خارج المملكة، إلى جانب تعزيز حماية القاصرين والغائبين والأوقاف والوصايا من أي تصرفات قد تضر بحقوقهم. وتأتي هذه الخطوة كذلك ضمن جهود المملكة لتطوير البيئة التشريعية العدلية، ورفع كفاءة الإجراءات، وتعزيز التحول الرقمي في الخدمات القضائية والتنفيذية.
وتنظم اللائحة جميع الإجراءات المتعلقة بالأموال المشتركة منذ نشوء حالة الشيوع وحتى التصفية النهائية وتوزيع الحقوق. وتشمل تنظيم القسمة الرضائية بين الشركاء، والقسمة القضائية، والقسمة العينية، وقسمة البيع بالمزاد العلني، إضافة إلى تنظيم تعيين المصفي القضائي وصلاحياته في إدارة الأموال المشتركة وحصرها وبيعها وتوزيع العوائد على المستحقين.
كما تنظم اللائحة إجراءات الإفصاح عن الأموال والأصول، وآليات مخاطبة الجهات الحكومية والبنوك والجهات المالية إلكترونيًا لحصر الأموال، فضلًا عن تنظيم حقوق القاصرين والغائبين والمفقودين والأوقاف والوصايا، ووضع أدوات قانونية لمنع تعطيل القسمة أو الاستيلاء غير المشروع على الأموال المشتركة.
الهدف من اللائحة والجهة المُصدِرة لها وسنة إصدارها
تهدف لائحة قسمة الأموال المشتركة إلى تسريع إجراءات القسمة وإنهاء تعطل الحقوق والأصول، عبر تحويل طلب القسمة إلى مسار تنفيذي مباشر بدلاً من الاكتفاء بالمسار القضائي التقليدي، كما تستهدف تقليل النزاعات بين الورثة والشركاء، وتعزيز القسمة الرضائية، وتوحيد الإجراءات القضائية والتنفيذية بين المحاكم.
وتسعى اللائحة كذلك إلى حماية حقوق القاصرين والغائبين والأوقاف والوصايا، وتنظيم عمليات البيع والتصفية بشفافية وعدالة، ومنع الاستيلاء أو تعطيل الأموال المشتركة، إضافة إلى دعم التحول الرقمي في الخدمات العدلية، ورفع كفاءة إدارة الأصول والاستثمارات داخل المملكة وخارجها.
صدرت لائحة قسمة الأموال المشتركة بقرار وزير العدل رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشيخ د. وليد بن محمد الصمعاني رقم (1610) بتاريخ 19 جمادى الأولى 1439هـ الموافق 5 فبراير 2018م، وذلك ضمن الأُطُر التنظيمية المعتمدة من هيئة الخبراء بمجلس الوزراء، بهدف تنظيم إجراءات قسمة الأموال المشتركة والتصرف في التركات والأصول المملوكة على الشيوع بين الورثة أو الشركاء، وتتولى وزارة العدل الإشراف على تطبيق أحكام اللائحة بالتعاون مع مركز الإسناد والتصفية إنفاذ، الذي يتولى إدارة أعمال التصفية والإشراف على المصفين المرخصين وعمليات البيع والتوزيع.
وشهدت اللائحة تحديثات جوهرية خلال عام 1445هـ الموافق 2024م، ضمن حزمة الإصلاحات العدلية المرتبطة بتطوير أنظمة القضاء والتنفيذ والتوثيق والمعاملات المدنية، حيث ركزت التعديلات على تعزيز التحول الرقمي، وتسريع إجراءات القسمة والتصفية، وتوسيع صلاحيات المصفين القضائيين، ورفع كفاءة تتبع الأصول والاستثمارات داخل المملكة وخارجها، بما يسهم في تقليص مدة النزاعات وتسريع إيصال الحقوق إلى مستحقيها.
على من تُطبق اللائحة؟
تُطبق أحكام اللائحة على جميع الأموال المملوكة على الشيوع بين أكثر من شخص، سواء كانت عقارات أو أراضيَ أو مبانيَ أو حسابات بنكية أو محافظ استثمارية أو أسهمًا أو منقولات أو مركبات أو أموالًا نقدية أو أصولًا داخل المملكة أو خارجها، بشرط عدم وجود نزاع على أصل الملكية.
كما تشمل أحكام اللائحة الورثة والشركاء والقاصرين والغائبين والمفقودين والأوصياء والنظار، إضافة إلى المصفين القضائيين والحراس القضائيين والدائنين والمدينين المرتبطين بالمال المشترك، فضلًا عن الجهات الحكومية ذات العلاقة بتسجيل الأموال أو الإشراف عليها.
وفي المقابل، لا تسري أحكام اللائحة على الشركات الخاضعة لنظام الشركات، إذ تخضع تلك الكيانات لأنظمة تصفية وتنظيم مستقلة.
القسمة لم تَعُدْ دعوى فقط.. بل إجراء تنفيذي مباشر
من أبرز التحولات التي جاءت بها اللائحة اعتبار طلب القسمة طلبًا للتنفيذ أيضًا، وهو ما يعني أن المسار القضائي لم يعد يقتصر على إثبات الحقوق أو تحديد الأنصبة، بل يمتد مباشرة إلى تنفيذ القسمة وتسليم الحقوق لأصحابها دون الحاجة إلى رفع دعاوى تنفيذ لاحقة.
ويمثل هذا التوجه نقلة نوعية في مفهوم العدالة الناجزة، إذ يختصر سنوات من التقاضي والإجراءات، ويمنع استمرار تجميد الأصول وتعطيل الانتفاع بها بسبب الخلافات الممتدة بين الشركاء أو الورثة.
التحول الرقمي وتوسيع دور "إنفاذ"
اعتمدت اللائحة بشكل واسع على التحول الرقمي في إدارة قضايا القسمة، من خلال ربط منصة "قسمة التركات" بالجهات الحكومية والبنوك والجهات المالية المختصة، بما يسمح بحصر الأموال والأصول إلكترونيًا فور تسجيل الوفاة أو بدء إجراءات القسمة.
كما منحت المحكمة صلاحية مخاطبة الجهات الرسمية للإفصاح عن الأموال والأصول، مع إلزام كل من لديه معلومات أو أموال مشتركة بتقديم البيانات خلال مدة لا تتجاوز 10 أيام.
وفي جانب التنفيذ، منحت اللائحة دورًا محوريًا لـ مركز الإسناد والتصفية إنفاذ، الذي يتولى الإشراف على أعمال التصفية وبيع الأصول وتعيين المصفين المرخصين، بما يرفع كفاءة التنفيذ ويضمن الشفافية وسرعة الإنجاز.
القسمة الرضائية أولًا.. والمزاد آخِر الحلول
حرصت اللائحة على تشجيع الشركاء والورثة على الوصول إلى حلول ودية عبر القسمة الرضائية، التي تتيح الاتفاق على طريقة تقسيم المال المشترك دون الحاجة إلى نزاع قضائي، شريطة ألا يخالف الاتفاق أحكام الشريعة والأنظمة.
أما إذا تعذر الاتفاق، فتتجه المحكمة إلى القسمة العينية متى كان المال قابلًا للتجزئة دون ضرر، كما في بعض الأراضي والعقارات، وفي حال تعذر ذلك يتم اللجوء إلى البيع بالمزاد العلني وتوزيع الثمن بحسب الأنصبة الشرعية أو النظامية.
كما منحت اللائحة الشركاء أولوية شراء الحصص المطروحة للبيع قبل انتقالها إلى أطراف خارجية، بهدف الحفاظ على استقرار الملكيات المشتركة والحد من النزاعات المستقبلية.
حماية خاصة للقاصرين والغائبين والأوقاف
أولت اللائحة عناية خاصة بالفئات الأكثر احتياجًا للحماية، مثل القاصرين والغائبين والمفقودين والأوقاف والوصايا، إذ اشترطت وجود أحكام نهائية وضمانات قضائية قبل التصرف في حصصهم أو توزيعها.
كما أجازت للمحكمة إصدار أحكام مستعجلة بصرف جزء من الحقوق المالية عند الحاجة للنفقة أو المعيشة، على أن يتم احتسابها لاحقًا ضمن النصيب النهائي للمستفيد.
منع الاستيلاء على الأموال المشتركة وتصفية الأصول العابرة
شددت اللائحة على مواجهة أي ممارسات تهدف إلى تعطيل إجراءات القسمة أو الاستيلاء على الأموال المشتركة، إذ نصت على إحالة كل من يثبت استيلاؤه بغير حق على جزء من المال المشترك إلى النيابة العامة، مع إلزامه بإعادة المال والتعويض عن الأضرار.
كما أجازت للمحكمة اتخاذ إجراءات صارمة بحق من يتعمد تعطيل القسمة أو إخفاء المعلومات أو الامتناع عن الحضور، بما في ذلك الإحضار الجبري والإدراج على قوائم القبض عند الحاجة.
ومن أبرز التطورات التي حملتها اللائحة منح المصفي القضائي صلاحية تتبع الأصول والاستثمارات الموجودة خارج المملكة، وتمثيل الورثة أو الشركاء أمام الجهات الأجنبية المختصة وفق الأنظمة والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
ويمثل ذلك تطورًا مهمًا في حماية حقوق الورثة السعوديين في الاستثمارات الخارجية، خاصة مع ازدياد حجم الأصول العابرة للحدود وتشابكها القانوني في عدد من الدول.
الحقوق والالتزامات التي تنص عليها اللائحة وآلية تطبيقها
أكدت اللائحة حق الشركاء والورثة في القسمة الرضائية، والحق في القسمة العينية متى كان المال قابلًا للتجزئة، والحق في البيع بالمزاد عند تعذر القسمة، إضافة إلى أولوية شراء الحصص قبل انتقالها إلى الغير، والحق في طلب النفقة المستعجلة للقاصرين أو المحتاجين قبل انتهاء إجراءات القسمة.
وفي المقابل، ألزمت اللائحة الشركاء والمصفين بالإفصاح عن جميع الأموال والمعلومات المتعلقة بالمال المشترك، وعدم تعطيل إجراءات القسمة أو إخفاء الأصول، مع الالتزام بتنفيذ قرارات المحكمة واحترام حقوق القاصرين والغائبين وعدم التصرف في حصصهم إلا وفق الأحكام النظامية.
وتبدأ إجراءات القسمة بتقديم طلب عبر منصة "قسمة التركات"، ويُعد الطلب في الوقت ذاته طلب تنفيذ مباشر، وبعد ذلك يتم حصر الأموال إلكترونيًا عبر الربط مع الجهات الحكومية والبنوك والجهات المالية المختصة.
ثم تتولى المحكمة تكليف مركز الإسناد والتصفية إنفاذ بتعيين مصفٍ مرخص لإدارة الأموال المشتركة وحصرها وبيعها عند الحاجة، وفي البداية يُعرض الصلح والقسمة الرضائية على الشركاء، فإن تعذر الاتفاق تنتقل المحكمة إلى القسمة القضائية أو البيع بالمزاد العلني بحسب طبيعة المال.
وبعد انتهاء البيع أو التصفية، يتم توزيع الحقوق والأنصبة على المستحقين وفق الأحكام الشرعية أو النظامية، مع استمرار صلاحية المصفي في ملاحقة الأصول الخارجية واستكمال إجراءاتها عند الحاجة.
وتمثل لائحة قسمة الأموال المشتركة تحولًا عدليًا متكاملًا ينقل قضايا التركات والأموال المشتركة من دائرة النزاعات الطويلة إلى منظومة تنفيذية ورقمية أكثر سرعة وشفافية وكفاءة.
ولا تقتصر أهمية اللائحة على تسريع توزيع الحقوق فحسب، بل تمتد إلى حماية الأصول والاستثمارات، وتعزيز الاستقرار الأسري والاقتصادي، وتقليل النزاعات، وترسيخ مفهوم العدالة الناجزة التي تقوم على سرعة الإنجاز وحماية الحقوق ومنع تعطيل الأموال، بما يعزز مستهدفات رؤية السعودية 2030 في بناء منظومة قضائية وتنظيمية أكثر تطورًا واستدامة.