في زاوية متواضعة، يجلس أبو سليمان، وهو رجل متقدم في السن، بابتسامة هادئة تتحدى قسوة الظروف، وتخفي وراءها إرهاقاً لا يلحظه إلا المتأمل في ملامحه. وعلى الرغم من تقدمه في العمر، يواصل كفاحه اليومي في بسطته لبيع التمور، متسلحاً بالرضا والعزيمة التي لا تعرف المستحيل.
بدأت قصة أبو سليمان بمنعطف حاد في حياته؛ إذ خسر مدخراته في سوق الأسهم
بدأت قصة أبو سليمان بمنعطف حاد في حياته؛ إذ خسر مدخراته في سوق الأسهم، فوجد نفسه مضطراً للبحث عن مصدر دخل بعد التقاعد، وكانت بسطة بيع التمور الخيار الذي قادته إليه الظروف، ورغم دعم أبنائه ووقوفهم إلى جانبه، آثر الاعتماد على نفسه، رافضاً تحميلهم أعباء إضافية في ظل مسؤولياتهم الحياتية.
ومنذ أكثر من عام، يتوجه أبو سليمان يومياً إلى بسطته، حيث يعرض أصنافاً مميزة من التمور، منها خلاص أشيقر والقصيم، والسكري، والمجدول، والعجوة، مع حرصه على جودة ما يقدمه للزبائن. ويمضي ساعات طويلة في موقعه، وقد يمتد عمله حتى ساعات الفجر الأولى، حتى إن وجبة السحور قد تفوته أحياناً قبل عودته إلى منزله، وذلك سعياً لكسب رزقٍ حلال.
وخلال هذه المسيرة، يعبّر أبو سليمان عن امتنانه لموقف إنساني كريم من مالك المنزل الذي يستأجره، إذ قابله بتقدير كبير، وأعفاه من ضغوط الإيجار، قائلاً له كلمات خففت من معاناته "أنا ما سألتك ولا دورتك".
ولا ينظر أبو سليمان إلى عمله على أنه مجرد عملية بيع وشراء، بل يراه أمانة تتطلب الصدق والإخلاص. وعند سؤاله عن سر استمراريته ونصيحته للشباب المقبلين على إقامة مشاريعهم، لا يتحدث عن خطط أو أرقام، بل يوجز رؤيته بقوله: «صلاة رب العالمين فوق كل شيء، ثم طاعة الوالدين»، مؤكداً أن الصدق والأمانة هما الأساس في كسب ثقة الزبائن وتحقيق البركة، وأن الغش لا يؤدي إلا إلى الخسارة.
وتجسد قصة أبو سليمان نموذجاً ملهماً للصبر والمثابرة، وتؤكد أن الرضا هو الثروة الحقيقية التي لا تنفد، وأن العزيمة لا يحدها عمر. وفي ختام حديثه، لا يطلب سوى دعوة صادقة من القلب، يعدّها خير زاد في مسيرته اليومية، مؤكداً أن ما يملكه من رضا يكفيه ويملأ حياته.

























