شهد مسجد المسقي في منطقة عسير أعمال تطوير ضمن المرحلة الثانية من مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية ضمن جهوده في تأهيل الجوامع العريقة بمختلف مناطق المملكة.

ويقع المسجد شرق قرية المسقي التابعة لمدينة أبها في منطقة عسير، على بُعد نحو 32 كيلومترًا جنوب شرق مدينة أبها، ويتوسط محيطًا عمرانيًّا تقليديًّا يعكس هوية المنطقة المعمارية، مما أكسبه مكانة دينية واجتماعية بارزة لدى أهالي القرى المجاورة.

ويُعد مسجد المسقي من أقدم المساجد التاريخية في المنطقة، إذ تشير المصادر إلى أن تاريخ بنائه يعود إلى الفترة ما بين عامي 73هـ و75هـ "692م – 694م"، أي قبل أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، وكان لوحٌ تعريفي مُثبت في المسجد يؤكد هذه الحقبة التاريخية، إلا أنه فُقد عام 1395هـ/1975م خلال أعمال الهدم وإعادة البناء.

وقد أورد الرحالة والمؤرخ الهمداني ذكر المسجد في كتابه "صفة جزيرة العرب" بقوله: "والقرعا لشيبة من عنز، ولهم قرية كبيرة ذات مسجد جامع، يقال لها المسقي"، في دلالة على قِدم المسجد ومكانته في النسيج العمراني والاجتماعي للمنطقة منذ قرون مبكرة.

وشهد المسجد إعادة بناء عام 1397هـ/1977م، وهو البناء القائم حاليًّا، حيث كان تُقام فيه صلاة الجماعة وصلاة الجمعة، ويقصده المصلون من القرى المجاورة، قبل أن تتعطل الصلاة فيه لسنوات، إلى أن أُدرج ضمن مشروع التطوير ليُعاد تأهيله وفق أسس تراعي أصالته التاريخية.

وشُيّد المسجد على طراز السراة المعماري، الذي يتميز بتماسك النسيج العمراني وتضامن مبانيه وممراته، مع الاعتماد على الحجر الطبيعي في البناء، والحوائط السميكة الحاملة، واستخدام خشب العرعر المعروف بمتانته وصلابته، ويعكس هذا الطراز تأثر العمارة المحلية بالظروف المناخية وطبيعة التضاريس والعوامل الاجتماعية، بما يحقق التوازن بين الوظيفة والجمال في آنٍ واحد.

وتبلغ مساحة المسجد بعد التطوير 409.25 متر مربع، بطاقة استيعابية تبلغ 156 مصلّيًا، ليعود مهيأً لأداء الصلاة واستقبال المصلين في بيئة تجمع بين عبق التاريخ ومتطلبات الحاضر.

ويُمثل تطوير مسجد المسقي بمنطقة عسير خطوةً مهمة ضمن الجهود الوطنية الرامية إلى الحفاظ على المساجد التاريخية، بما يعزز حضورها الديني والاجتماعي، ويرسّخ قيمتها الحضارية بوصفها شواهد حية على العمق التاريخي للمملكة.

ويعمل مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية على تحقيق التكامل بين معايير البناء التراثية والأساليب الحديثة، بما يضمن استدامة عناصر المسجد المعمارية، مع تنفيذ أعمال التطوير عبر شركات سعودية متخصصة في المباني التراثية، وبمشاركة مهندسين وطنيين.

وينطلق المشروع من أربعة أهداف استراتيجية تتمثل في تأهيل المساجد التاريخية للعبادة، واستعادة خصائصها العمرانية الأصيلة، وإبراز البعد الحضاري للمملكة، وتعزيز مكانتها الدينية والثقافية، بما يعكس ما توليه رؤية المملكة 2030 من اهتمام بالموروث الثقافي وترسيخ قيمه في الحاضر والمستقبل.