في ليلة رمضانية لم تكن تشبه غيرها، وتحت ظلال الفوانيس التي أنارت أحد شوارع عروس البحر الأحمر، حدث ما لم يكن في الحسبان. فبينما كان الجميع يتأمل جمال الزينة الرمضانية، انطوت عقود الزمن في لحظة واحدة، ليلتقي رفاق دراسة لم تجمعهم الطرقات ولم يسمعوا أصوات بعضهم منذ أكثر من 46 عاماً.
الحكاية بدأت حين جذبت أضواء الزينة الباهرة الزملاء القدامى لصاحب البيت محمد اللخمي، ليجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام "المركاز" الحجازي العريق الذي يتصدر الجلسة. هناك، وبينما كانت رائحة البخور تختلط بنسيم ليالي جدة، عادت الذاكرة إلى مقاعد الدراسة الأولى، وتحول الاستغراب إلى عناق حار غسل تعب السنين، في صدفة وُصفت بأنها "أجمل هدايا الشهر الكريم".
ويعد "المركاز" في المنطقة الغربية، وتحديداً في جدة، أكثر من مجرد مقعد خشبي؛ فهو البرلمان الاجتماعي الأصيل الذي حافظ على هيبته عبر الأجيال. وفي هذه الجلسة، استعاد الزملاء هيبة "المركاز" ودوره في تقوية الروابط، مؤكدين أن الجلسات الرمضانية هي "الوعاء" الذي يحفظ الود، ويسمح بتبادل أطراف الحديث في أجواء تملؤها السكينة والمودة.
وعبر الزملاء حسين القاسمي وفهد المغامسي وفوزي الحربي وعمر باشميل وعابدين شيبة في حديثهم لـ "أخبار 24" عن سعادتهم الغامرة بهذا اللقاء المستحيل، مشيرين إلى أن الزينة الرمضانية كانت "المغناطيس" الذي جذبهم، وأن "المركاز" كان المستقر الذي احتضن حكاياتهم الممتدة لقرابة نصف قرن. وأجمعوا على أن بقاء هذه العادات والتقاليد هو الضمانة الحقيقية لتماسك المجتمع وبقاء المحبة بين أبنائه.
تؤكد هذه القصة الإنسانية المؤثرة أن رمضان في جدة ليس مجرد مظاهر احتفالية، بل هو موسم لترميم العلاقات وإحياء الروابط، حيث تظل الفوانيس والمراكز شواهد حية على زمن جميل يأبى النسيان، ويصر على جمع الأحباب مهما طال الغياب.