في اليوم الـ39 من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تتجه الأزمة إلى واحدة من أخطر مراحلها، مع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسط رفض إيراني صريح لشروط وقف إطلاق النار، وتصعيد عسكري متبادل لم يهدأ، وامتداد نيران المواجهة إلى عدة جبهات في المنطقة. وتزامن ذلك مع تحركات دبلوماسية مكثفة للتوصل لاتفاق قبل انتهاء مهلة ترامب، وقلق اقتصادي عالمي متزايد بسبب إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط؛ ما يضع العالم أمام مشهد مفتوح على جميع السيناريوهات.

إيران ترفض مقترح باكستان وتطرح شروطاً شاملة

اتخذت طهران موقفاً متشدداً قبيل انتهاء المهلة الأمريكية، والتي تنتهي الثامنة مساء الثلاثاء بتوقيت شرق الولايات المتحدة، حيث رفضت رسمياً المقترح الذي توسطت فيه باكستان لوقف إطلاق النار الفوري، مؤكدة أنها لا تقبل حلولاً مؤقتة، بل تسعى إلى إنهاء دائم للحرب.

ووفق ما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية "إرنا"، فإن الرد الإيراني جاء في 10 بنود، تضمنت إنهاء الصراعات في المنطقة، ووضع آلية دائمة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب مطلب أساسي برفع العقوبات، وبدء إعادة الإعمار.

كما شددت إيران على رفضها إعادة فتح مضيق هرمز في هذه المرحلة، معتبرة إياه ورقة ضغط استراتيجية لا يمكن التخلي عنها دون تحقيق مكاسب واضحة.

تهديدات أمريكية غير مسبوقة قبل انتهاء المهلة

في المقابل، صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من لهجته بشكل لافت، مهدداً بتدمير شامل للبنية التحتية الإيرانية في حال عدم الاستجابة للمطالب الأمريكية قبل الموعد النهائي.

وأكد ترامب أن الولايات المتحدة قادرة على "محو إيران في ليلة واحدة"، متوعداً بتحويل الجسور ومحطات الكهرباء إلى ركام، في تصريحات أثارت جدلاً واسعاً بشأن قانونيتها، خاصة بعد تحذيرات دولية من استهداف البنية التحتية المدنية.

أنباء عن احتمالية تمديد المهلة

ورغم هذا التصعيد، أشارت تقارير أمريكية إلى احتمال تريُّث ترامب إذا ظهرت مؤشرات على قرب التوصل إلى اتفاق، وسط ضغوط داخلية من الحزب الجمهوري، وخشية من تداعيات حرب طويلة على الاقتصاد الأمريكي.

وقال موقع "إكسيوس" الإخباري الأمريكي، إن الرئيس دونالد ترامب قد يمدد الإطار الزمني الذي حدده لشن هجمات شاملة على إيران في حال تم إحراز تقدم في المفاوضات.

وأوضح الموقع نقلاً عن مصادر أمريكية وصفها بـ"المطلعة"، أن خطة هجوم أمريكية إسرائيلية مشتركة تستهدف منشآت الطاقة والجسور الإيرانية، باتت جاهزة.

وأضاف الموقع في خبره أنه "إذا رأى الرئيس بوادر اتفاق، فمن المرجح أن ينتظر. لكن القرار النهائي يعود إليه وحده".

وذكرت المصادر أن "ترامب سيقبل باتفاق إذا ما توفر، لكن من غير الواضح ما إذا كان الإيرانيون مستعدين له".

من جانبه، قال السفير الإيراني في باكستان رضا أميري مقدم، اليوم (الثلاثاء)، إن الجهود الرامية لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط تقترب من "مرحلة دقيقة".

وكتب السفير في منشور على منصة أكس: "الجهود الإيجابية والبنَّاءة التي تبذلها باكستان.. لوقف الحرب تقترب من مرحلة دقيقة".

القتال مستمر بلا هوادة بين إيران وإسرائيل

ميدانياً، تواصلت الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل بوتيرة عالية، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ موجة غارات واسعة استهدفت منشآت حكومية وبنية تحتية داخل طهران وفي مدن أخرى.

في المقابل، ردت إيران بإطلاق دفعات صاروخية باتجاه جنوب ووسط إسرائيل، ما أدى إلى تفعيل صفارات الإنذار وسقوط شظايا صاروخية في عدة مدن، مع تسجيل أضرار مادية وإصابات.

كما امتدت المواجهات إلى جبهات أخرى، حيث أعلن "حزب الله" تنفيذ هجمات صاروخية على مستوطنات في الجليل الأعلى، في حين ردت إسرائيل باستهداف مواقع في جنوب لبنان وتفجير منازل.

وشهدت طهران ومدن إيرانية أخرى انفجارات متتالية، من بينها 6 انفجارات في مدينة قم، إضافة إلى قصف طال منشآت صناعية ومجمعات بتروكيماوية في شيراز. كما هزت انفجارات شمال طهران صباح الثلاثاء، بحسب ما نقلت وسائل إعلام محلية.

إسرائيل تهدد باستهداف القطارات

حذر الجيش الإسرائيلي صباح الثلاثاء، الإيرانيين، من استخدام القطارات حتى الساعة 17:30 بتوقيت غرينيتش، وذلك في رسالة على منصة "أكس"، توحي بإمكان توجيه ضربة للسكك الحديد في إيران.

وكتب الجيش الإسرائيلي في حسابه باللغة الفارسية: "أيها المواطنون الأعزاء، من أجل سلامتكم نرجو الامتناع عن استخدام القطارات أو السفر بالقطارات في جميع أنحاء البلاد من الآن وحتى الساعة 21:00 بتوقيت إيران". وأضافت الرسالة: "وجودكم في القطارات أو بالقرب من خطوط السكك الحديد يُعرض حياكم للخطر".

استهداف جزيرة ⁠خرج الاستراتيجية

نقل ‌موقع "‌أكسيوس" عن ‌مسؤول أمريكي ⁠كبير -لم يسمه- قوله ⁠‌أن الجيش ‌الأمريكي نفذ ضربات ‌على ‌أهداف عسكرية ⁠في جزيرة ⁠خرج الإيرانية.

وأفادت وكالة أنباء إيرانية بانقطاع التيار الكهربائي عن أجزاء من خرج، إثر سقوط مقذوفات على خطوط نقل الكهرباء. فيما ذكر الهلال الأحمر الإيراني أنه تم استهداف خط للسكك الحديدية في خرج.

سقوط ضحايا واتساع رقعة المواجهة

تسببت الهجمات المتواصلة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، حيث قُتل 9 أشخاص وأصيب 15 آخرون في هجوم على منطقة سكنية غرب طهران، فيما تجاوز إجمالي القتلى في إيران 3500 شخص منذ بداية الحرب، وفق تقديرات منظمات حقوقية.

وامتدت الخسائر إلى لبنان، حيث قُتل نحو 1500 شخص جراء العمليات العسكرية المرتبطة بالصراع، وسط تحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة.

كما شهدت إسرائيل سقوط شظايا صاروخية في عدة مدن، بينها تل أبيب ومحيطها، مع تسجيل أضرار في البنية التحتية.

وفي العراق أدانت جهات رسمية استهداف قوات الأمن ومقار الحشد الشعبي، محذرة من تصعيد يهدد استقرار المنطقة بأكملها.

مضيق هرمز ورقة ضغط تشعل الاقتصاد العالمي

اقتصادياً، برز مضيق هرمز كأحد أخطر نقاط التوتر، بعدما أبقت إيران على إغلاقه شبه الكامل، ما أدى إلى اضطراب كبير في إمدادات الطاقة العالمية.

وارتفعت أسعار النفط إلى نحو 110 دولارات للبرميل، وسط مخاوف من موجة تضخم عالمية، خاصة أن المضيق يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز في العالم.

وأكدت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا أن الحرب خفضت إمدادات النفط العالمية بنسبة 13%، محذرة من تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي وارتفاع التضخم.

تحركات دولية ومحاولات لاحتواء الأزمة

دبلوماسياً، تتواصل الجهود لاحتواء التصعيد، حيث يستعد مجلس الأمن الدولي للتصويت على مشروع قرار يهدف إلى حماية الملاحة في مضيق هرمز، لكن بصيغة مخففة بعد اعتراض الصين على استخدام القوة.

ويشجع المشروع الدول على تنسيق جهود دفاعية لضمان أمن الملاحة، دون منح تفويض صريح للتدخل العسكري، ما يعكس صعوبة التوافق الدولي.

في الوقت ذاته، أكدت الصين دعمها لجهود الوساطة التي تقودها باكستان، فيما وصف مسؤولون إيرانيون هذه الجهود بأنها وصلت إلى مرحلة "حاسمة ودقيقة".

ضغوط سياسية داخل الولايات المتحدة

داخلياً، يواجه دونالد ترامب ضغوطاً سياسية متزايدة، خاصة مع سقوط قتلى في صفوف الجيش الأمريكي، من بينهم 13 جندياً، إضافة إلى إسقاط طائرة مقاتلة أمريكية داخل إيران.

وتخشى الأوساط السياسية الأمريكية من أن يؤدي استمرار الحرب إلى ارتفاع أسعار الوقود، ما قد يؤثر سلباً على فرص الجمهوريين في الانتخابات النصفية المقبلة، وهو ما يفسر التردد بين التصعيد والبحث عن تسوية.

مشهد مفتوح على جميع الاحتمالات

قبل ساعات من انتهاء المهلة الأمريكية، تبدو الفجوة بين واشنطن وطهران كبيرة، ما يجعل احتمالات التوصل إلى اتفاق سريع ضعيفة، في ظل تمسك كل طرف بمطالبه الأساسية.

وبين التصعيد العسكري المتواصل، والضغوط الاقتصادية العالمية، والتحركات الدبلوماسية المتعثرة، يقف العالم أمام لحظة فارقة قد تحدد مسار الحرب، إما نحو انفجار أكبر، أو بداية مسار تهدئة طال انتظارها.