رسمت رؤية 2030 خارطة طريق لتحويل التحدِّيَات الاجتماعية إلى فرص تسهم في تحقيق التنمية الشاملة؛ ومن هنا ابتدأت رحلة نحو تمكين المجتمع، عبر حزمة واسعة من الإصلاحات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية؛ بهدف تحقيق النماء، حيث أحدثت هذه الإصلاحات فارقاً واضحاً في تمكين المجتمع أكثر من أي وقت مضى.

فبدعم العديد من المبادرات التي تضمنتها الرؤية في محور "مجتمع متمكن" حدث تطور متسارع يعكس الاستثمار العميق في الإنسان، من التعليم وسوق العمل إلى الرياضة وتمكين المرأة، بما يعزز بناء رأس مال بشري قادر على المنافسة عالميًا.

ثروة بشرية هي الأثمن

عمدت رؤية 2030 إلى تمكين المواطنين والاستفادة من طاقاتهم، فانطلقت رحلة طموحة هدفت إلى رفع قدرة سوق العمل على استيعاب الباحثين عن فرص العمل، وذلك عن طريق مواءمة مخرجات التعليم مع الاحتياجات الفعلية، والتوسع في مسارات توطين المهن، ومبادرات التدريب ورفع كفاءة المورد البشري، وتعزيز دور القطاع الخاص في توليد الوظائف، بالإضافة إلى دعم تمكين المرأة.

وأسهم تطور البنية التحتية الرقمية في تفعيل أنماط العمل الحديثة، بما وفر خيارات متنوعة أمام الباحثين عن عمل، سواء كان ذلك بعمل كامل أو دوام جزئي، كما دعمت الجهود تقوية العلاقة التعاقدية بين الموظف وصاحب العمل، بتوثيق العقود إلكترونيًا عبر منصة قوى حتى وصل عدد العقود الموثقة إلى أكثر من 12 مليون عقد موثق.

وكانت النتيجة تراجع معدل البطالة بين السعوديين إلى مستويات تاريخية، منخفضًا من 12.8% الذي يُعد أعلى مستوى له في العقد الأخير إلى 7.%، وبقي بعد ذلك مُحافظًا على قربه من المستهدف، بينما زادت نسبة التوطين في الوظائف عالية المهارات.

كما أصبح القطاع الخاص مولدًا للوظائف، مستفيدًا من التحول الاقتصادي الذي أوجد فرصًا استثمارية في قطاعات عديدة، مما قاده إلى التوسع في توفير المزيد من فرص العمل للمواطنين، ففي عام 2025 فقط التحق 212 ألف مواطن بسوق العمل في القطاع الخاص حيث بات العدد الإجمالي 2.6 مليون عامل، بعدما كان 1.7 مليون عامل في عام 2020.

وارتفعت نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل من 22.8% إلى 35% في عام 2025، كما ارتفعت نسبة النساء بالمناصب الإدارية المتوسطة والعليا إلى 43.9%، وتم إدراج 1700 قيادية ومديرة في مبادرة التدريب والتوجيه القيادي للكوادر النسائية.

واهتمت الرؤية أيضاً بتمكين الأسر المنتجة، الذين أُتيحت لهم الفرص في توسيع نشاطهم وفتح منافذ بيع لهم تكون منصات للتسويق، بما يُعزز من نمو نشاطهم ومساهمتهم الفاعلة في نمو الاقتصاد، ليصل عدد فرص العمل المستحدثة في العام 2025 فقط إلى أكثر من 151 ألف فرصة، كما زادت مبيعات الأسر المنتجة من 360 مليون ريال في 2016، إلى 22.5 مليار ريال بـ2025.

وامتد ذلك إلى تمكين الأشخاص من ذوي الإعاقة القادرين على العمل، عبر توفير برامج التأهيل والتدريب، وتحفيز سوق العمل على استيعابهم والاستفادة من قدراتهم، حيث زادت نسبة القادرين على العمل من ذوي الإعاقة من 7.7% في 2016، إلى 14.1 % بـ2025.

صحة عامرة

شهد القطاع الصحي تحولًا شاملًا، نتيجة اهتمام الرؤية بتطوير خدمات الرعاية الصحية، والانتقال من نموذج صحي يقوم على العلاج إلى نموذج يعتمد على الوقاية وجودة الحياة، وتمحور النموذج الحديث للرعاية الصحية حول تعزيز الوقاية قبل العلاج، وتفعيل جهود البحث العلمي والابتكار والتقنيات الصحية، وقد اتُّخذت خطوات لتحقيق ذلك، منها إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية، وتغطية مستشفى صحة الافتراضي للمستشفيات بجميع مناطق المملكة، وتغطية جميع السكان بسجل رقمي موحد ليسهل عليهم الوصول للخدمات الصحية، فيما ارتفعت تغطية الخدمات الصحية إلى 97.5% من جغرافيا المملكة بنهاية العام 2025، وزادت نسبة الاستجابة للمشورة الوراثية إلى 85%.

كما باتت المملكة أعلى دولة في المنطقة من حيث المدن الصحية المعتمدة عالميًا بواقع 16 مدينة، وشهد 2025 تدشين أول وحدة أبحاث سريرية في القطاع الصحي الخاص، علاوة على اعتماد "فحص اللياقة المهنية" للقطاعات الحكومية والخاصة، وإطلاق تجربة سريرية لطبيب الذكاء الاصطناعي، وإطلاق مركز التحكم بالسكري الأول من نوعه عالميًا، والانضمام بعضوية كاملة إلى منظمة السلطات التنظيمية لائتلاف الأدوية الدولي لأول مرة في الشرق الأوسط، وإطلاق مراكز "تأكد لصحتك"، والتوسع في خدمات مستشفى صحة الافتراضي، وتحقيق زيادة قدرها 56% في عدد مواعيد الاستشارات الافتراضية.

وتم إطلاق برامج ومبادرات متنوعة، وسّعت نطاق الفحوصات المبكرة لاكتشاف الأمراض في مراحلها المبكرة، مدعومة بتحول رقمي ربط المستفيدين بسجلات رقمية موحدة، كما تم ربط 241 مستشفى وأكثر من 1400 مركز صحي بمستشفى صحة الافتراضي، الذي يُقدّم خدماته عن بُعد، إذ يُعد نموذجًا عالميًا فريداً في تقديم الخدمات الصحية افتراضياً.

ومن ثمرات التميز في القطاع الصحي، استفادة 6 ملايين زوج وزوجة من الفحص قبل الزواج، وتسجيل 50% انخفاضاً بالوفيات الناتجة عن الأمراض المعدية، وفحص 3 ملايين مولود ضمن برنامج الفحص المبكر لحديثي الولادة، وانخفاض وفيات الأمراض المزمنة بنسبة 40% متجاوزًا مستهدف الأمم المتحدة، وانخفاض الوفيات الناتجة عن الغرق بنسبة 30%، واكتشاف 70% من حالات السرطان في مراحل مبكرة، وانخفاض وفيات الحوادث المرورية بأكثر من 60% متجاوزًا مستهدف منظمة الصحة العالمية، فيما ارتفعت عدد أسرَّة العناية المركزة لكل 100 ألف نسمة من 13.27 سريراً إلى 15.84 سريراً بنهاية 2025، وحلّت 7 مستشفيات سعودية ضمن قائمة "براند فاينانس" لأفضل 250 مستشفى عالميًا للعام 2025.

الإسكان والعقار

مهدت رؤية 2030 الطريق لإصلاح البيئة التنظيمية والتشريعية؛ بهدف إيجاد حلول للتحديات العقارية، في إدراك للقيمة الاجتماعية والاقتصادية للعقار، وبرز الاهتمام بمعالجة التشوهات في السوق العقارية عبر مجموعة من التوجيهات؛ بهدف تحقيق التوازن بين الطلب والعرض، ومن ذلك التوجيهات الصادرة للقطاع العقاري بالرياض، التي شملت توجيهًا بمضاعفة مشروعات الإسكان شمال الرياض للضعفين.

وتم التوجيه برفع الإيقاف عن تطوير أكثر من 81 كم² من الأراضي شمال المدينة، والعمل على توفير أراضٍ سكنية مخططة ومطورة للمواطنين بعدد ما بين 10 آلاف إلى 40 ألف قطعة سنويًا خلال 5 سنوات بأسعار لا تتجاوز 1500 ريال للمتر المربع، والموافقة على الأحكام النظامية الخاصة بضبط العلاقة بين المُؤجر والمُستأجر بالرياض، بالإضافة إلى التعديلات على نظام رسوم الأراضي البيضاء، والتوجيه برصد ومراقبة أسعار العقار في مدينة الرياض والمدن الأخرى والرفع بتقارير دورية.

كما استمر تنفيذ استراتيجية القطاع العقاري خلال العام 2025، بما يُسهم في إيجاد سوق حيوي وجاذب، عبر التوسع في العمل على ضمان شمولية وتكامل بيانات الأراضي والممتلكات، ليتخطى مؤشر نسبة تغطية الأراضي والممتلكات مستهدفه البالغ 45% مُحققًا ما نسبته 53%.

وأظهر التقرير أن نسبة تملك الأسر للمساكن تجاوز المستهدف المرحلي لتصل إلى 66.24% مقارنة بـ47% في العام 2016، لافتاً إلى أن 97.5% من التجمعات السكانية في المملكة مغطاة بالخدمات الصحية مقتربة من مستهدف عام 2030 البالغ 99.5%، فيما بلغ عدد الأسر السعودية التي تملكت منازلها 851.38 ألف أسرة.

الحكومة الرقمية

انتهجت المملكة سياسة "حكومة بلا ورق"، التي تقضي بتسهيل وصول المستفيدين إلى الخدمات الحكومية، وذلك من خلال إيجاد منصات رقمية لمختلف الخدمات، بما يُسهم في تقليص زمن الإجراءات وتبسيطها، ويوفر الوقت على المستفيدين بخدمتهم في أي مكان.

وأثمر ذلك تصدر المملكة عالمياً في مؤشر الثقة في الحكومة وفقاً لتقرير "إيدلمان 2025"، حيث بلغت نسبة الثقة في الأداء الحكومي 87% وهو الأعلى عالمياً.

ومن بين النماذج الناجحة في الخدمات الرقمية، تقديم القطاع العدلي أكثر من 140 خدمة رقمية، أسهمت في توفير 100 مليون ورقة سنويًا وخفض الزيارات إلى المرافق العدلية بنسبة 99%، كما جرى رقمنة أكثر من 200 مليون وثيقة عدلية، ومع تطبيق التقاضي الإلكتروني انخفض عمر القضية بنسبة 86%، إضافة إلى إطلاق المحكمة الافتراضية وكتابة العدل الافتراضية.

مجتمع مسؤول

شهد القطاع غير الربحي تحولًا خلال العشر سنوات الماضية بإطار تشريعي وتنظيمي غير مسبوق، بما أسهم في رفع كفاءته وتفعيل أدواره في المساهمة الاقتصادية والاجتماعية، حيث شكّل تأسيس المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي نقلة نوعية في تمكين المؤسسات غير الربحية، وتحول عمل القطاع غير الربحي إلى قيمة اقتصادية ذات أثر تنموي قابل للقياس، فسجّلت المنظمات غير الربحية نموًا متسارعًا لتصل اليوم إلى ما يزيد على 7213 منظمة توفر أكثر من 26 ألف وظيفة.

كما تحقق مستهدف الرؤية في عدد المتطوعين وقد كان حافزًا لمواصلة المضي في الرحلة، إذ تقدمت في مسار تصاعدي ابتدأ بـ 22.9 ألف متطوع فقط في العام 2015، ليُسجل اليوم أكثر من 1.7 مليون متطوع.

تعليم ممكن

مع الرؤية، أُعيدت هيكلة منظومة التعليم عبر مجموعة من الإجراءات، وتم تقديم برامج تدريبية متنوعة للمعلمين والمعلمات، منها ما هو في مجالات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في التعليم العام، وقد استفاد منها أكثر من 13 ألف معلم ومعلمة، بجانب عقد شراكات دولية مع المؤسسات الرائدة في التعليم لتأهيل الكفاءات التعليمية، وهدفت هذه الإجراءات إلى رفع كفاءة الأداء، وتركيز مهام وزارة التعليم على التخطيط والتنظيم والإشراف، بجانب تمكين الكفاءات التعليمية ورفع مستوى تنافسيتهم.

هذه المسارات فتحت طريقًا نحو التميز، فتقدمت الجامعات السعودية في التصنيفات الدولية، وتضاعف عدد الطلاب والطالبات المبتعثين في أهم 200 جامعة ومعهد عالمي ليصل إلى نحو 28.5 ألف طالب وطالبة، فيما تم تسجيل 3313 مبتعث ومبتعثة ضمن أفضل 30 جامعة في العالم.

وعلى مستوى التصنيفات العالمية، حلّت 22 جامعة سعودية ضمن تصنيف QS العالمي للجامعات لعام 2025، تتقدمهم جامعة الملك فهد للبترول والمعادن التي صنُفت بين أفضل 100 جامعة عالميًا، كما جاءت 13 جامعة سعودية ضمن أفضل 1000 جامعة في تصنيف شنغهاي العالمي للجامعات، و31 جامعة سعودية ضمن أفضل 1500 جامعة في تصنيف تايمز للتعليم العالي.

رياضة شاملة

بفضل الرؤية أُعيد تعريف الرياضة، فأصبحت اليوم مساحة تشمل أنواعًا كثيرة من الرياضات وتتسع لمشاركة جميع الفئات، من الملاعب المفتوحة إلى الصالات الرقمية، ومن المنافسة الاحترافية إلى المشاركة المجتمعية، ومن التحديات البدنية إلى المساهمة الاقتصادية الفاعلة.

كان التحول الرياضي شاملًا فلم يقتصر على النشاط البدني بمختلف أشكاله، حيث جاء تأسيس الاتحاد السعودي للرياضة للجميع عاملًا مساعدًا في تحفيز المجتمع على المشاركة وممارسة الرياضة، لتتحقق مشاركة الأفراد والأسر في البيئة الرياضية من هواة ومحترفين وزائرين، إذ اتسعت دائرة الاهتمام لتشمل فئات متنوعة، فزاد عدد الأنشطة والبرامج المتاحة لفرص الصحة والاستثمار، ويبرز في هذا تشجيع ممارسة الرياضة.

وتجاوز مستهدف ممارسة النشاط الرياضي للعام 2029 قبل أوانه، حيث بات 19% من الأطفال والمراهقين (5–17 سنة) يمارسون الرياضة لمدة 60 دقيقة وأكثر يوميًا، كما تجاوز مستهدف ممارسة النشاط الرياضي للعام 2027 قبل أوانه، إذ بات 59.1% (للفئة 18 سنة فأكثر) يمارسون الرياضة لمدة 150 فأكثر دقيقة أسبوعيًا.

كما تم افتتاح مشروع المسار الرياضي في 2025، وشارك أكثر من 40 ألف شخص في ماراثون الرياض من مختلف الأعمار سنوياً، وارتفعت مشاركة المرأة من 3500 مشاركة إلى 15 ألف مشاركة.

صناعة للأبطال

شمل التحول الرياضي مبادرات وبرامج عُنيت باكتشاف المواهب الرياضية وتطويرها وتمكينها، عبر مسار يهدف إلى صناعة أبطال يُنافسون رياضيًا ويُحققون الإنجازات للوطن، وتأتي مبادرة تطوير الأكاديميات الرياضية بوصفها أحد هذه الجهود، حيث تهدف إلى اكتشاف المواهب ورعايتها في أنحاء المملكة، وأُنشئ تحت هذه المبادرة مركز التميز الرياضي ومدرسة مهد، وبدأت بكرة القدم على أن تشمل رياضات أكثر في المستقبل.

ويُعد برنامج تطوير رياضيي النخبة من المبادرات المُمكنة للأبطال، التي تهدف إلى إعدادهم عبر برامج تدريبية متخصصة ومعسكرات داخلية وخارجية، إلى جانب استقطاب الكفاءات الفنية والطبية عالية المستوى لتمكين الأبطال الرياضيين من بلوغ أعلى مستويات المنافسة الرياضية على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي، وامتد أثر البرنامج إلى تمكين الرياضيين من ذوي الإعاقة، بما يُعزز شمولية الدعم والتمكين لكافة الفئات الرياضية.

وفي هذا الصدد تم تأسيس قاعدة وطنية للمواهب، وشمل المسح 480 ألف طفل، فيما جرى تدريب وصقل مهارات 950 موهبة وطنية، وبات هناك 12 ألف معلم ومتخصص مؤهل في التعليم والتدريب الرياضي، وتم تحقيق 356 ميدالية في مختلف المنافسات الرياضية بينها 166 ذهبية و117 فضية و133 برونزية.