بينما لا تزال التداعيات العالمية لجائحة كوفيد-19 تُلقي بظلالها على الأنظمة الصحية، عاد فيروس "هانتا" ليتصدر المشهد من جديد عقب رصد تفشٍّ مثير للقلق على متن سفينة الرحلات السياحية "إم في هونديوس".
وأمام معدلات الوفيات المرتفعة المرتبطة بهذا الفيروس القادم من القوارض، تزايدت المخاوف حول مدى جاهزية المنظومة الدولية لمحاصرة سلالات نادرة مثل "فيروس الأنديز"، ومدى قدرتها على التحول إلى تهديد عابر للحدود، وسط مساعٍ حثيثة لمنع تكرار سيناريوهات الإغلاق والقيود الصحية التي عرفها العالم خلال جائحة كورونا.
ويُعَدّ فيروس هانتا أو "هانتافيروس" مجموعة من الفيروسات الحيوانية المنشأ التي تنتقل أساسًا من القوارض إلى الإنسان، وتنتمي إلى عائلة الفيروسات الهنتاوية ضمن رتبة الفيروسات البونياوية، وقد أعادت التحذيرات الأخيرة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية الفيروس إلى واجهة الاهتمام العالمي بعد تسجيل إصابات ووفيات على متن السفينة السياحية.
ورغم المخاوف المتزايدة، شددت منظمة الصحة العالمية على أن خطر انتشار الفيروس عالميًا لا يزال منخفضًا، مؤكدة أن "هانتا" لا يمتلك خصائص الانتشار السريع نفسها التي ميّزت فيروس كورونا، فيما تواصل الفِرَق الطبية الدولية التحقيق في مصدر العدوى على متن السفينة، مع مراقبة الركاب والمخالطين في أوروبا وإفريقيا والأمريكتين تحسبًا لظهور حالات جديدة خلال الأسابيع المقبلة.
ويؤكد الخبراء أن فيروس هانتا مرض خطير، لكنه ليس "كوفيد-19" جديدًا، إذ إن انتقاله بين البشر محدود للغاية، بينما تبقى الوقاية ومكافحة القوارض الوسيلة الأهم لمنع انتشاره.
ما هو فيروس هانتا؟
فيروس هانتا ليس فيروسًا واحدًا، بل عائلة تضم أكثر من 20 نوعًا مختلفًا، وسُمّي بهذا الاسم نسبة إلى نهر هانتان في كوريا الجنوبية.
وتتخذ هذه الفيروسات من أنواع معينة من القوارض مستودعًا طبيعيًا لها، إذ تعيش داخلها دون أن تُسبب لها أعراضًا واضحة، لكنها قد تتحول إلى خطر شديد عند انتقالها إلى البشر، مسببة أمراضًا خطيرة تصيب الرئتين أو الكلى وقد تؤدي إلى الوفاة.
وتشير التقديرات إلى أن معدل الوفيات في المتلازمة الرئوية المرتبطة بفيروس هانتا قد يصل إلى 40 أو 50% في بعض الحالات، خاصة عند تأخر التشخيص أو وصول المرض إلى مرحلة تراكم السوائل في الرئتين، بينما تنخفض النسبة في الأنواع المرتبطة بالمضاعفات الكلوية إلى ما بين 1 و15% بحسب السلالة والمنطقة الجغرافية.
ولا يوجد حتى الآن علاج نوعي أو لقاح عالمي معتمد ضد فيروس هانتا، لذلك يعتمد الأطباء على الرعاية الداعمة مثل الأكسجين والسوائل الوريدية وأجهزة التنفس الصناعي، فيما يُعَدّ الاكتشاف المبكر للحالات وعزل المصابين وتتبع المخالطين عاملًا حاسمًا للحد من المضاعفات ومنع انتشار العدوى، خصوصًا في البيئات المغلقة مثل السفن ووسائل النقل الجماعي.
سبب القلق والرعب العالمي
أثار تفشي فيروس هانتا على متن السفينة السياحية حالة تأهب صحي دولية، بعدما أكدت منظمة الصحة العالمية تسجيل عدة إصابات مؤكدة ووفيات، مع تحذيرات من إمكانية ظهور حالات إضافية خلال الأسابيع المقبلة بسبب طول فترة حضانة الفيروس.
وبدأت عدة دول تتتبّع مخالطي الركاب وأفراد الطاقم الذين غادروا السفينة في محطات مختلفة، خاصة بعد انتقال العدوى عبر أكثر من دولة أوروبية وإفريقية.
كيف ينتقل الفيروس وأماكن انتشاره؟
ينتقل فيروس هانتا غالبًا عبر القوارض المصابة، خاصة الفئران والجرذان، من خلال استنشاق جزيئات ملوثة من بول أو براز أو لعاب القوارض، أو ملامسة الأسطح أو الأطعمة الملوثة بإفرازات القوارض، أو التعرض لعضّات القوارض، أو تنظيف الأماكن المغلقة الموبوءة بالقوارض دون وسائل حماية.
ويؤكد الخبراء أن الفيروس لا ينتقل بسهولة بين البشر مثل الإنفلونزا أو كورونا، لكن سلالة "الأنديز" الموجودة في أمريكا الجنوبية تُعَدّ السلالة الوحيدة المعروفة القادرة على الانتقال المحدود بين الأشخاص في حالات المخالطة الوثيقة والممتدة.
وينتشر فيروس هانتا في عدة مناطق حول العالم، وتشمل الأمريكتين الشمالية والجنوبية، وأوروبا، وآسيا، وبعض مناطق إفريقيا، وتختلف أنواع الفيروس والأمراض الناتجة عنه حسب المنطقة الجغرافية.
أنواع الأمراض التي يسببها فيروس هانتا
متلازمة هانتا القلبية الرئوية: تنتشر في الأمريكتين، وتؤثر على الرئتين والقلب، وتُعَدّ أخطر صور العدوى، إذ تصل نسبة الوفيات فيها إلى نحو 50%.
الحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية: تنتشر في أوروبا وآسيا، وتؤثر بشكل رئيسي على الكلى والأوعية الدموية، وقد تؤدي إلى الفشل الكلوي والنزيف الداخلي.
أعراض فيروس هانتا
تظهر الأعراض عادة بعد فترة حضانة تتراوح بين أسبوع و8 أسابيع من التعرض للفيروس.
وتشمل، ارتفاع الحرارة، والصداع، وآلام العضلات، والإرهاق الشديد، والغثيان والقيء، وآلام البطن، والإسهال أحيانًا.
وفي الحالات الشديدة قد يظهر السعال، وضيق التنفس، وتراكم السوائل بالرئتين، وانخفاض حاد في ضغط الدم، ونزيف داخلي، وفشل كلوي، وصدمة قد تؤدي إلى الوفاة.
مدى خطورة الفيروس
تختلف نسبة الوفاة حسب نوع السلالة والمنطقة الجغرافية، تصل إلى 50% في المتلازمة الرئوية، وتتراوح بين أقل من 1% وحتى 15% في بعض حالات الحمى النزفية الكلوية.
ويرى الخبراء أن فيروس هانتا أقل قدرة بكثير على الانتشار مقارنة بفيروس كورونا، ولا يشكل حاليًا تهديدًا بجائحة عالمية واسعة.
الانتقال بين البشر
على عكس الإنفلونزا وكوفيد-19، لا ينتقل فيروس هانتا بسهولة بين البشر، الاستثناء الوحيد الموثق هو فيروس الأنديز الموجود في أمريكا الجنوبية، وتحديداً في الأرجنتين وتشيلي، الذي أثبتت الدراسات قدرته المحدودة على الانتقال من إنسان إلى آخر عبر المخالطة الوثيقة والطويلة الأمد.
وتُعَدّ سلالة "فيروس الأنديز" أخطر سلالات فيروس هانتا، وتمثل هذه السلالة مصدر القلق الرئيسي؛ لأنها قد تنتقل بين البشر في حالات نادرة، وترتبط بمعدل وفيات مرتفع، وكانت وراء تفشيات سابقة في أمريكا الجنوبية.
ويظل فيروس هانتا مصدر قلق صحي حقيقي دون أن يرقى في الوقت الراهن إلى مستوى التهديد الوبائي الشامل، وبينما يواصل العلماء جهودهم لتطوير علاجات ولقاحات أكثر فعالية، تبقى الوقاية وتقليص الاحتكاك بالقوارض السلاح الأمضى في مواجهة هذا الفيروس.
هل يمكن أن يتحول إلى جائحة عالمية؟
يتفق الخبراء على أن احتمال تحوُّل فيروس هانتا إلى جائحة عالمية يبقى منخفضاً جداً، وذلك لأسباب علمية واضحة: أولها أن الفيروس لا ينتقل بسهولة بين البشر بخلاف الإنفلونزا وكوفيد-19، وثانيها أن الانتقال يحتاج إلى مخالطة وثيقة وطويلة الأمد، وثالثها أنه حتى على متن السفينة التي تضم 150 شخصاً لم تُسجّل إصابات إلا بين مَن كانوا على تواصل مباشر مع المصابين.
وقد أكد عالم الفيروسات توماس كسيازيك لمجلة نيوزويك: "لو كان الأمر سيصبح وباءً لكان قد حدث منذ زمن طويل"، فيما قال جاي بهاتاشاريا القائم بأعمال مدير مركز السيطرة على الأمراض الأمريكي: "هذا ليس كورونا، ولا نريد أن نتعامل معه على أنه كورونا".
ويرى العلماء أن احتمال تحوّل فيروس هانتا إلى جائحة عالمية ضعيف للغاية، حيث إن انتقاله بين البشر محدود ونادر، كما أن انتقاله الأساسي مرتبط بالقوارض، ويحتاج إلى مخالطة وثيقة لفترة طويلة، بينما لم تظهر مؤشرات على انتشار مجتمعي واسع.
هل تنقل القطط والكلاب الفيروس؟
تشير الدراسات إلى أن القطط والكلاب قد تتعرض للفيروس بعد مخالطة القوارض، لكن لا توجد أدلة علمية تؤكد نقلها المباشر للفيروس إلى الإنسان، ويبقى الخطر الرئيسي مرتبطًا بالقوارض نفسها.
وينصح الأطباء البيطريون بمنع الحيوانات الأليفة من التعامل مع الفئران والحفاظ على نظافة أماكن تربيتها.
تشخيص فيروس هانتا وعلاجه
يعتمد التشخيص على التاريخ المرضي والتعرض للقوارض، واختبارات الأجسام المضادة، وتحليل PCR للكشف عن المادة الوراثية للفيروس، وفحوص وظائف الكلى والرئتين، والأشعة السينية على الصدر، ويُعَدّ التشخيص المبكر عاملًا مهمًا في زيادة فرص النجاة.
ولا يوجد حتى الآن علاج مضاد مباشر للفيروس، أو لقاح عالمي معتمد، لكن العلاج يعتمد على الرعاية الداعمة، وتشمل الأكسجين وأجهزة التنفس الصناعي، وأدوية تثبيت ضغط الدم، وغسيل الكلى في الحالات المتقدمة، إضافة إلى العناية المركزة للحالات الحرجة.
وفي بعض حالات الحمى النزفية الكلوية يُستخدم دواء "ريبافيرين" للمساعدة في تقليل المضاعفات.
طرق الوقاية من الفيروس
تعتمد الوقاية بشكل أساسي على مكافحة القوارض وتقليل التعرض لها، ومن أهم الإجراءات، تنظيف المنازل وأماكن العمل باستمرار، وسد الفتحات والشقوق التي تدخل منها القوارض، وحفظ الطعام في أماكن مغلقة، وتهوية الأماكن المغلقة قبل تنظيفها.
كما يجب ارتداء الكمامات والقفازات عند تنظيف الأماكن الملوثة، وتجنب كنس فضلات القوارض الجافة أو استخدام المكنسة الكهربائية مباشرة، إضافة إلى ترطيب الأماكن الملوثة بالمطهرات قبل التنظيف.
موقف منظمة الصحة العالمية
أكدت منظمة الصحة العالمية أن العدوى بفيروس هانتا ما تزال نادرة عالميًا، كما أن الكشف المبكر والرعاية الطبية السريعة يرفعان فرص النجاة، منوهة بضرورة الوقاية من القوارض وأنها تمثل خط الدفاع الأهم، كما أنه لا توجد مؤشرات على خطر وبائي عالمي مشابه لكورونا، مؤكدة أن الوضع مختلف تمامًا عن جائحة كوفيد-19.