لم يعد التلوث البلاستيكي يقتصر على المحيطات أو الشواطئ أو الهواء الذي نتنفسه، بل بات يتسلل إلى أكثر أعضاء الإنسان حساسية وتعقيدًا: الدماغ، حيث تقف البشرية اليوم أمام ما قد يكون أحد أكبر تحديات الصحة العامة في القرن الحادي والعشرين: تلوث بلاستيكي يصل إلى أعمق أعضائنا وأكثرها حساسية.
وفي اكتشاف علمي أثار جدلًا واسعًا خلال عامي 2024 و2025، كشفت دراسات حديثة عن وجود جزيئات بلاستيكية دقيقة ونانوية داخل أنسجة الدماغ البشري، ما فتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول التأثيرات المحتملة لهذه الجزيئات في الذاكرة والتركيز والصحة العصبية مستقبلًا.
ويرى علماء أن العالم قد يكون دخل بالفعل عصر "الإنسان البلاستيكي"، بعدما أصبحت هذه الجزيئات موجودة في الدم والقلب والرئتين والمشيمة، وصولًا إلى الدماغ الذي كان يُعتقد طويلًا أنه محمي بحاجز بيولوجي شديد الصلابة يمنع وصول المواد الضارة إليه.
يمثل اكتشاف البلاستيك داخل الدماغ البشري نقطة تحول علمية مهمة في فهم آثار التلوث البيئي في صحة الإنسان، ورغم أن الصورة الكاملة لم تتضح بعد، فإن العلماء يجمعون على أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة لفهم كيفية تراكم هذه الجزيئات داخل الجسم، وما إذا كانت تشكل تهديدًا حقيقيًا طويل الأمد على الدماغ والصحة العصبية للبشر.
"ملعقة صغيرة" من البلاستيك داخل الدماغ
أظهرت دراسات منشورة في مجلات علمية متخصصة، أبرزها دراسة لفريق بحثي من جامعة نيو مكسيكو بقيادة الباحث ماثيو كامبن، أن أدمغة بشرية خضعت للتحليل احتوت على كميات من البلاستيك النانوي تفوق التوقعات.
وبحسب النتائج، فإن تركيز الجزيئات البلاستيكية في الدماغ كان أعلى من الكبد والكلى بما يتراوح بين 7 و30 ضعفًا، فيما قدّرت بعض القياسات أن الكمية الموجودة تعادل تقريبًا "ملعقة صغيرة" من البلاستيك الدقيق داخل الدماغ البشري.
كما كشفت التحليلات أن مستويات هذه الجزيئات ارتفعت بنحو 50% مقارنة بعينات أقدم تعود إلى عام 2016، ما يعكس الارتفاع المستمر في معدلات التلوث البلاستيكي عالميًا.
لماذا يجذب الدماغ هذه الجزيئات وكيف تصل؟
يرجح الباحثون أن طبيعة الدماغ الدهنية تفسر هذا التراكم الكبير؛ إذ يتكون الدماغ من نحو 60% من الدهون، بينما تميل الجزيئات البلاستيكية النانوية إلى الارتباط بالأنسجة الدهنية بسهولة.
كما أن حجم هذه الجزيئات شديد الصغر، إذ يقل بعضها عن 200 نانومتر، ما يسمح لها بالتسلل داخل الخلايا واختراق الحواجز البيولوجية الدقيقة.
وحدد الباحثون عدة مسارات محتملة لوصول البلاستيك إلى الدماغ، أبرزها، عبر مجرى الدم، حيث تدخل الجزيئات البلاستيكية إلى الجسم من خلال الطعام والمياه والهواء، ثم تنتقل عبر الدم لتتمكن بعض الجسيمات النانوية من عبور "الحاجز الدموي الدماغي".
وعبر الأنف مباشرة، حيث يُعتقد أن بعض الجزيئات تصل إلى الدماغ من خلال العصب الشمي، عبر الأنف مباشرة، دون المرور بالحاجز الدموي الدماغي، ومن الأغذية المعالجة، حيث تشير دراسات حديثة إلى ارتباط الاستهلاك المتكرر للأطعمة المعلبة والمغلفة بالبلاستيك بارتفاع مستويات الجزيئات النانوية داخل الجسم.
الخرف ومخاطر صحية محتملة
وتمثل إحدى أكثر النتائج إثارة للقلق في العثور على مستويات أعلى من الجزيئات البلاستيكية داخل أدمغة أشخاص كانوا يعانون الخرف قبل وفاتهم، مقارنة بغيرهم من الأصحاء.
وتركزت هذه الجزيئات في مناطق مرتبطة بالذاكرة والتفكير، مثل القشرة الجبهية، ما دفع بعض العلماء إلى طرح فرضيات حول احتمال ارتباطها بالالتهابات العصبية أو تراكم البروتينات الضارة المرتبطة بأمراض مثل الزهايمر.
لكن الباحثين شددوا على أن هذه النتائج لا تعني حتى الآن أن البلاستيك يسبب الخرف بشكل مباشر، إذ قد يكون تراكمه نتيجة لتدهور الحالة الصحية وليس سببًا لها.
ولا تتوقف المخاوف عند الجهاز العصبي فقط، إذ رصدت دراسات مخبرية تأثيرات محتملة للجزيئات البلاستيكية الدقيقة على عدة أعضاء ووظائف حيوية، من بينها التهابات مزمنة داخل الجسم، واضطرابات في الجهاز المناعي، الإجهاد التأكسدي وتلف الخلايا، واضطرابات هرمونية وتأثيرات في الخصوبة، وأضرار محتملة للكبد والكلى، وارتفاع مخاطر أمراض القلب والشرايين.
كما أظهرت تجارب على الحيوانات تأثيرات في الذاكرة والتعلم والنشاط الحركي بعد التعرض الطويل للجزيئات البلاستيكية الدقيقة.
جدل علمي وتحفظات منهجية
رغم خطورة النتائج، يؤكد عدد من العلماء ضرورة التعامل بحذر مع هذه الدراسات، مشيرين إلى أن تقنيات الكشف عن الجزيئات النانوية ما تزال معقدة وحساسة للغاية.
كما حذر باحثون من احتمال حدوث تلوث للعينات أثناء التحليل المعملي، سواء من الهواء أو الأدوات أو الملابس، ما قد يؤثر في دقة النتائج، كما أشار آخرون إلى أن تقنيات الكشف عن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة لا تزال في مراحل متقدمة لكنها حساسة جدًا، وقد تنتج قراءات متداخلة مع مواد أخرى موجودة طبيعيًا في الأنسجة.
ولذلك، يرى العلماء أن إثبات العلاقة المباشرة بين البلاستيك والأمراض العصبية يحتاج إلى سنوات إضافية من الأبحاث والدراسات طويلة المدى.
وتشير التقديرات إلى أن إنتاج البلاستيك العالمي تضاعف بشكل هائل خلال العقود الأخيرة، فيما يتوقع أن يتضاعف مجددًا بحلول عام 2040.
ومع الاستخدام المكثف للبلاستيك في التغليف والأغذية والمياه والمنتجات اليومية، أصبح الإنسان يتعرض باستمرار لكميات متزايدة من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة عبر الطعام والهواء ومياه الشرب.
كيف يمكن تقليل التعرض للبلاستيك؟
في ظل غياب أي تقنية طبية لإزالة الجزيئات البلاستيكية من الجسم أو الدماغ، يوصي الخبراء باتباع إجراءات وقائية لتقليل التعرض، أبرزها، تجنب تسخين الطعام في عبوات بلاستيكية، واستخدام الأواني الزجاجية أو الفولاذية بدلًا من البلاستيك، وتقليل استهلاك الأغذية المعالجة والمعلبة، واستخدام فلاتر مياه عالية الجودة، وتهوية المنازل باستمرار لتقليل الجزيئات العالقة في الهواء، والحد من استخدام المنتجات البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد.