شهدت العلاقات السعودية اللبنانية تطورا مفصليا أعاد رسم المشهدين الاقتصادي والسياسي في بيروت، حيث وجه ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان باستئناف دخول الصادرات اللبنانية إلى أسواق المملكة، لينهي بذلك القطيعة التجارية والدبلوماسية التي أرخت بظلالها على بلد يعاني أزمات خانقة.
ويمثل هذا التطور خطوة تتجاوز التبادل التجاري، لتشكل إعلانا واضحا عن عودة الثقة الخليجية بمؤسسات الدولة اللبنانية بعد مسار طويل من التوترات، وتعتبر هذه الانفراجة طوق نجاة لقطاعات واسعة من الاقتصاد اللبناني التي ظلت لسنوات تبحث عن منافذ بديلة، في ظل انهيار العملة المحلية وتراجع الاحتياطيات النقدية.
جذور الأزمة ومسار القطيعة
تعود جذور الأزمة إلى أبريل 2021 حين اتخذت المملكة قرارا بوقف استيراد المنتجات الزراعية اللبنانية ومنع عبورها من أراضيها، وذلك بعد إحباط محاولات متكررة وممنهجة لتهريب كميات ضخمة من المخدرات، تم إخفاؤها باحترافية داخل شحنات الخضار والفواكه القادمة من بيروت.
وفي أكتوبر 2021 شهدت العلاقات منعطفًا حادًا بعد إعلان المملكة استدعاء سفيرها لدى لبنان للتشاور ومغادرة السفير اللبناني المملكة خلال 48 ساعة، على خلفية تصريحات مسيئة للمملكة صدرت عن وزير الإعلام اللبناني آنذاك، وتقاعس بيروت في وقف تهريب المخدرات وعدم اتخاذ إجراءات كافية للحد من أنشطة تهدد أمن المملكة واستقرارها.
تداعيات اقتصادية على الشارع اللبناني
وجه قرار المملكة ضربة للاقتصاد اللبناني الذي كان يترنح بالفعل تحت وطأة انهيار مالي غير مسبوق، إذ فقد لبنان أهم أسواقه التصديرية على الإطلاق، وبحسب الإحصاءات الرسمية لعام 2020، كانت الأسواق السعودية تستوعب بمفردها صادرات لبنانية تتجاوز قيمتها 250 مليون دولار سنويا، وهي إيرادات بالعملة الصعبة تبخرت بين ليلة وضحاها.
وانعكس هذا الحظر على القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة، حيث وجد المزارعون أنفسهم أمام محاصيل مكدسة، في حين اضطرت مئات المصانع لتخفيض إنتاجها أو إغلاق أبوابها، وامتد ليشمل مناخ الاستثمار العام في البلاد، إذ أدت الأزمة إلى انعدام ثقة المستثمرين الخليجيين في السوق اللبنانية، وتوقفت المشاريع المشتركة وتراجعت تدفقات رؤوس الأموال بشكل حاد، مما فاقم من أزمة السيولة وعمق من جراح الاقتصاد المنهك.
ارتدادات سياسية وعزلة دبلوماسية
على الصعيد السياسي، أحدثت المقاطعة زلزالا دبلوماسيا تجلت معالمه في تضامن واسع من دول مجلس التعاون مع موقف المملكة، ما أدى إلى سحب سفراء وبعثات دبلوماسية أخرى من بيروت، ووجدت الدولة اللبنانية نفسها في عزلة عربية غير مسبوقة، أفقدتها الغطاء السياسي الذي طالما شكل صمام أمان لها في المحافل الدولية والإقليمية.
وداخليا، أشعلت هذه الأزمة استقطابا سياسيا حادا بين القوى اللبنانية المختلفة، حيث ارتفعت الأصوات المنددة بتحويل لبنان إلى منصة لاستهداف أمن الدول العربية، وسط اتهامات لقوى حزبية مسلحة نافذة بتغطية شبكات التهريب والتمرد على مصالح الدولة.
وعانت الحكومات اللبنانية المتعاقبة خلال تلك الفترة ضعفا كبيرا في قدرتها على المناورة وإصلاح ذات البين، حيث اشترطت الرياض ودول الخليج أفعالا ملموسة لا مجرد وعود، وكان التحدي الأكبر أمام القيادات اللبنانية هو إثبات القدرة على فرض سلطة القانون وبناء مؤسسات أمنية قادرة على منع استخدام الأراضي اللبنانية كمنطلق لأي تهديد يمس أمن المملكة.
ملامح الانفراجة وعودة السفراء
في ديسمبر 2021، تلقى مسار العلاقات دفعة إيجابية عقب اتصال هاتفي بين ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي، بمشاركة فرنسية، حيث أكد الجانبان أهمية تعزيز العلاقات بين المملكة ولبنان، وشددت الحكومة اللبنانية على التزامها باتخاذ الإجراءات اللازمة لتقوية التعاون مع المملكة ودول الخليج، كما تم الاتفاق على دعم الإصلاحات الشاملة في لبنان.
وتواصلت خطوات الانفراج في أبريل 2022 عندما أعلنت المملكة عودة سفير خادم الحرمين الشريفين إلى بيروت، استجابةً للمواقف والإجراءات التي اتخذتها القوى السياسية والحكومة اللبنانية لتعزيز التعاون مع المملكة ودول الخليج، وأكدت الرياض آنذاك دعمها لاستقرار لبنان وعودة مؤسساته الوطنية للقيام بدورها، مع التشديد على أهمية الأمن والاستقرار للشعب اللبناني.
عودة الشرايين التجارية
وبعد اشتراط المملكة ودول الخليج أفعالا ملموسة لا مجرد وعود لعودة العلاقات بشكل كامل، اتخذت لبنان إجراءات أمنية صارمة، شملت تحديث معدات التفتيش في المرافئ وتشديد الرقابة على خطوط التصدير بالتعاون مع جهات مختصة، وقد أسهمت هذه التحركات في توجيه ضربات قوية لشبكات التهريب، ما وفر تطمينات بأن الصادرات اللبنانية لن تشكل ثغرة أمنية تهدد المملكة.
وبعد هذه القرارات والإجراءات جاء توجيه ولي العهد باستئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة، ليضخ الدماء في عروق الاقتصاد اللبناني، ويشكل هذا الحدث بارقة أمل للبنانيين، ليس فقط بانتعاش الأسواق وعودة الحركة التجارية، بل بتأسيس مرحلة جديدة من التعاون العربي الذي يضمن استقرار لبنان ويحميه من الانزلاق لمزيد من الأزمات.