موجة واسعة من الجدل بين خبراء التغذية والباحثين حول العالم، تلك التي أثارها الهرم الغذائي الأمريكي الجديد الذي أعلنت عنه وزارتا الصحة والزراعة الأمريكيتان قبل نحو أسبوعين، ووضع البروتينات ومنتجات الألبان والدهون المشبعة في القمة، مقابل تراجع الحبوب الكاملة إلى أسفل الهرم.
تناقض مع مبادئ التغذية الصحية
ذلك الهرم الغذائي الجديد، اعتبره كثيرون يتناقض مع مبادئ التغذية الصحية المتعارف عليها، حيث إنه قد يشجع على الإفراط في الدهون المشبعة ويضر بالصحة والبيئة، فيما يرى مؤيدوه أنه يصحح أخطاء الأنظمة السابقة التي فشلت في الحدّ من السمنة، وبين هذا وذاك لم يتوقف النقاش، ويبقى السؤال الملح، هل سيسهم هذا الهرم في تحسين الصحة أم سيقود إلى مزيد من الارتباك والمخاطر الصحية؟.
النسخة الجديدة من الهرم جاءت مقلوبة مقارنة بالنماذج التقليدية، حيث وضعت اللحوم، البروتينات الحيوانية، ومنتجات الألبان كاملة الدسم في رأس الهرم باعتبارها الأغذية الأكثر أولوية، بينما دُفعت الحبوب الكاملة إلى قاعدة الهرم، في تغيير وصفه خبراء بأنه راديكالي وعكسي لمسار التوصيات العلمية طوال 40 عامًا.
أيضاً كان أحد أبرز الانتقادات الموجهة إلى "الهرم الجديد" يتمثل في وضع الحبوب الكاملة في أسفل الهرم؛ ما قد يُفهم على أنه تقليل من أهميتها الغذائية، ففي النماذج السابقة، كانت الحبوب تشكل القاعدة الأساسية، باعتبارها مصدراً رئيسياً للطاقة والألياف.
وتشير التقارير العلمية إلى أن هذه التوصيات الجديدة تتبنّى نهجًا يعيد عقارب الساعة إلى خمسينيات القرن الماضي، مع تركيز كبير على البروتينات الحيوانية والدهون الكاملة، رغم وجود إجماع علمي واسع حول مخاطر الدهون المشبعة على القلب والشرايين.
إشكالية الحبوب الكاملة
ويرى خبراء أن المشكلة الصحية لا تكمن في الحبوب الكاملة، بل في الإفراط في تناول الحبوب المكررة، وهو فارق لم ينجح التصميم الجديد في توضيحه بجلاء.
وكان الهرم الغذائي القديم يتألف من درجات واضحة تُوحي بالصعود. وكانت الحبوب الكاملة هي القاعدة؛ لأن الجسم يحتاج إلى طاقة أكبر، ومعظم الطاقة تأتي من النشويات والحبوب. أما الهرم الغذائي الجديد، فيضع الحبوب الكاملة في أسفل الهرم، مع أن إرشاداته تُركز على الحد من الحبوب المكررة، وليس الحبوب الكاملة.
أما في إرشادات 2025-2030، عاد الهرم الغذائي، لكن شكله وبعض توصياته معكوسة فالبروتينات والدهون الحيوانية - سواء من مصادر حيوانية أو نباتية - تحظى بنفس المساحة في القمة التي تحظى بها الخضراوات والفواكه؛ مما يدل على التركيز على زيادة استهلاك البروتين.
كما نقل التصميم الجديد الحبوب الكاملة إلى أسفل الهرم، مع أن الدليل لا يوصي باستهلاك كمية أقل بكثير من الحبوب مقارنةً بالمنتجات الزراعية. وتوصي الإرشادات بتناول حصتين إلى أربع حصص يومياً من الحبوب الكاملة، وثلاث حصص من الخضراوات، وحصتين من الفاكهة.
ردود فعل متباينة
وصف الكثير من علماء التغذية الهرم الجديد بأنه يتحدى عقودًا من الأدلة، حيث يقول البروفسور كريستوفر غاردنر من جامعة ستانفورد، إن وضع الدهون المشبعة واللحوم في أعلى الهرم يناقض عقودًا من الأبحاث.
بدورها، قالت اختصاصية التغذية الحاصلة على درجة الدكتوراه، والأستاذة المساعدة في علوم الأغذية والتغذية البشرية بجامعة فلوريدا، جانيت أندرادي، إن الرسم البياني للهرم الجديد مُربك لأنه يُعطي نفس القدر من الأهمية للبروتينات والفواكه والخضراوات، بينما لا يبدو أن الإرشادات الفعلية تُشير إلى ذلك.
وأشارت إلى أنه يوجد دجاجة كاملة في قسم البروتين من الهرم الغذائي، متسائلة: "هل يعني هذا أنه يجب عليّ تناول دجاجة كاملة يومياً؟ الأمر مُربك، ويجب أن يكون هذا الرسم البياني واضحاً بذاته".
ولفتت إلى أن الهرم الغذائي الجديد يُغفل تماماً الأطعمة الثقافية، فهناك أناس من ثقافات مُختلفة جداً يعيشون في هذا البلد، وما هو مُصوّر فيه قد لا يُمثل النظام الغذائي الذي يتبعه مُعظم الأميركيين على أي حال. لا يوجد فول الصويا، ولا يوجد تمييز يُذكر بين أنواع مجموعات البروتين المُختلفة، مثل المأكولات البحرية.
وتعليقاً على هذا التغير، رحبت جمعية القلب الأمريكية، بالإرشادات الغذائية الجديدة، كما أشادت بإدراجها لعدد من التوصيات العلمية الهامة، ولا سيما التركيز على زيادة تناول الخضراوات والفواكه، مع الحدّ من استهلاك السكريات المضافة والحبوب المكررة والأطعمة المصنعة والمشروبات السكرية.
وقالت الجمعية، إن هذه العناصر تتوافق بشكل كبير مع الإرشادات الغذائية الراسخة لجمعية القلب الأمريكية وغيرها من هيئات الصحة العامة.
وبين المؤيدين والمعارضين، يتفق خبراء التغذية على أن الهرم الغذائي الجديد أصاب في تشجيع تناول الخضراوات والفواكه المتنوعة، لكنه أخفق في إيصال رسائل واضحة حول التوازن، والكميات، والتنوع الثقافي في الأنماط الغذائية.
تاريخ الهرم الغذائي
روّجت وزارة الزراعة الأمريكية للهرم الغذائي لأول مرة عام 1992، بناءً على مفهوم جرى تطويره في السويد بسبعينيات القرن الماضي، وتقوم وزارة الصحة والخدمات الإنسانية ووزارة الزراعة الأمريكية بتحديث الإرشادات الغذائية كل 5 سنوات.
وعندما أصدرت وزارة الزراعة الأمريكية الإرشادات الغذائية للفترة 2010-2015 في العام 2011، تم استبدال الهرم الغذائي بنموذج "طبقي"، ومنذ ذلك الحين إلى اليوم، يُظهر شكل الطبق المُقسّم أحجام الحصص الغذائية في الوجبة بوضوح أكبر، لكن في إرشادات الفترة 2025-2030، عاد الهرم، لكنّ شكله وبعض توصياته أصبح مقلوبًا.























































