close menu

العمارة بالدولة السعودية الأولى.. جمال تحرسه قوة القلاع والحصون

شواهد عمرانية وعسكرية حفظت تاريخ الدرعية لثلاثة قرون

اتسمت العمارة في الدولة السعودية الأولى بتعدد أنماطها وانسجامها واتساقها مع البيئة الصحراوية؛ حيث كانت غالبية تصاميم البيوت آنذاك من الطين لتوافره في أرضها، إضافة إلى الاعتماد على المكونات المتوافرة في الطبيعة سواءً كانت حجرية أو نباتية.

واشتهرت الدرعية جوهرة المملكة الثمينة، وعاصمة الدولة السعودية الأولى التي تأسست في 22 فبراير عام 1727 م بصعود الإمام محمد بن سعود إلى سدة الحكم، بعدد من القصور والمساجد قوية البناء وفخمة المنظر، مثل قصر سـلوى "رمز البطولـة"، ومسجد الطريف.

عمارة بديعة ومجتمع متآلف

بحسب أستاذ التاريخ الحديث في جامعة الإمام محمد بن سعود د. محمد العوني في حديثه لـ"أخبار 24"، فلم يكن يوجد في منطقة الدرعية في تلك الفترة سوى 70 بيتاً تقريباً، لكن الإمام محمد بن سعود استطاع أن يعمل مؤاخاة ومؤالفة بين أهل الدرعية، التي أُنشئت قبل قرون من هذا التاريخ في عام 850هـ تقريباً، لتتوسع بعدها وتصبح إحدى أكبر مدن الجزيرة العربية ومعبرا مهما للقوافل بين الشرق والغرب.

وتميزت تلك المباني بجمال التصاميم المعمارية النجدية، وقوة البناء، كما أنها تمثل طابع العمارة المنتشر آنذاك، وتمثل أيضاً ثراء وازدهار الدرعية وتطورها؛ حيث كانت المباني تمتد إلى ثلاثة أو أربعة طوابق، وكان البناؤون من أهالي الدرعية.

هذا الجمال المعماري تغنّى به الشعراء في تلك الفترة، وقد أبدع البنّاؤون المحترفون في إظهار العناصر الجمالية الخارجية للمباني، كالأفاريز "الحداير" وهي عبارة عن خطوط زخرفية ناتئة ومثلثة تحيط بواجهة البيت، ومن وظائفها حماية الجدار من مياه الأمطار، كذلك الثقوب المثلثة التي في الجدار، التي تسمى في اللهجة النجدية "اللهوج"، وذلك للمراقبة والتهوية والإضاءة بشكل متوازٍ، إلى جانب "الحقاف" وهي الزخرفة التي تقع فوق الأفاريز، و"الزرانيق" وهي الركن العلوي من البيت، و"الشرف" وهي زينة السطح.

والدرعية، بإرثها التاريخي العريق، تعكس بالنسبة للسعوديين هوية حضارية ومجداً تليداً يحكي عن أكبر وأعظم إرثٍ تاريخي في المملكة، فبالإضافة لأنها عاصمة الدولة السعودية الأولى، تزخر الدرعية بالمعالم الوطنية والحضارية القديمة التي تشهد على مكانتها التاريخية المتمثلة بموقعها الاستراتيجي المتميز الغني بمقومات الحياة المتجددة، وبطبيعة اجتماعية آمنة ومستقرة قائمة على مبادئ مهمة، أهمها تحقيق العدل والمساواة بين أفراد المجتمع، ونشر الأمن والأمان في ربوع البلاد، وهذا كله أسهم في انطلاقة الدرعية نحو التقدم والتطور والازدهار، ما جعلها قبلة غنية بالخيرات لجميع المناطق السعودية المتناثرة شرقًا وغرباً وشمالاً وجنوباً.

ومنذ أن أصبحت الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى، وفد إليها كثير من الذين أصبحوا جزءاً من كيان ومجتمع الدولة السعودية، من طلبة العلم والتجار من مختلف الطبقات، فكانت ملاذاً للذين يبحثون عن الأمن والأمان والاستقرار، والتجارة وطلب العلم، وكانت بالنسبة لهم رغد العيش وسعة الرزق والخصب، فأصبحت مركزاً استراتيجياً مهماً للتواصل والتفاعل مع مختلف الناس داخلياً وخارجياً، واتسعت مساحتها وازدهرت عمارتها ومرافقها الحيوية، وقد استمرت الدرعية مركزاً ثقافياً وتجارياً واقتصادياً للجزيرة العربية طيلة القرنين الـ12 و13هـ / الـ17 و18م.

القلاع حصن الدفاع الأول

تعد القلاع من أهم المعالم المعمارية للدولة السعودية الأولى، بوصفها بناءً مُحكماً للدفاع عن البلدة، محصَّناً من جهاته الأربع بأسوار محكمة البناء من الآجر والطين، وتحتوي الأسوار عادةً على أبراج مراقبة، بالإضافة إلى وجود فتحات ومنافذ لاستخدام البنادق والمدافع عند أي هجوم، وكذلك تُستخدم لكشف تحركات العدو خارج الأسوار، وفي أوقات السلم تساعد على رصد قرب وصول القوافل التجارية، وتُزيَّن الأسوار بالعديد من البوابات، وتُفتح صباحاً وتُغلق مساءً.

وعندما تولى الإمام محمد بن سعود الحكم، كانت سياسته إذا ضمَّ بلدةً كبيرة بنى حصناً، وحفر حولها خندقاً إن كانت أرضها صلبة، ويضع في الحصن حراساً يطلق عليهم "أمناء"، إمّا من أهلها أو من غير البلدة، ويدفع لهم مبالغ مالية، ويوفّر لهم البنادق والبارود.

سور الدرعية

والدرعية تحتوي على سور حصين يُسمّى "سور الدرعية"، يبدأ من أعلى جبل القرين من الناحية الجنوبية باتجاه الجهة الشمالية الشرقية فوق الجبل. وهو سور ضخم بُني من الحجارة والطين، ويتخلله الأبراج والقلاع، المبنية كذلك من الحجارة والطين، ويوجد بالأبراج والقلاع بها فتحات ومنافذ لاستخدام المدافع والبنادق عبرها، وهي منتشرة على الأسوار والأبراج، بالإضافة إلى وجود فتحات خاصة بالمراقبة لكشف حركات العدو خارج الأسوار.

وذكر أستاذ التاريخ الحديث د. سعيد القحطاني لـ"أخبار 24" أن الإمام محمد بن سعود عمل من الناحية الأمنية لبناء سور للدرعية لحمايتها من أي خطر خارجي وحمايتها من أي عدوان يقضي على الدولة.

أبراج للحماية والاستطلاع

كما توجد أيضاً قلاع وحصون وأبراج موزعة في جميع أنحاء الدرعية، وخصوصاً عند الأماكن الحيوية والاستراتيجية، ومنها القصور المزوَّدة بالأبراج، مثل: قصر البليدة وبرجه، وقصر ابن طوق في السريحة، بالإضافة إلى الحصون المتصلة بالسور الرئيس المحيط بالدرعية، مثل: حصن سمحة، وحصن العويسية، وحصن المليبيد، وحصون شمال الطريف.

وقد بُنيت الأبراج في الدرعية لأهداف حربية دفاعية، ساهمت في الدفاع عن الدرعية وردّ هجمات أعدائها، ومن أشهر أبراج الدرعية: برج فيصل: وهو حصن ضخم يطل على وادي حنيفة، وبالقرب منه مربط الخيل في الطريف، وبرج البريكي الذي يعد من أكبر أبراج الدرعية، وبُني على شكل مخروطي على أساسات من الحجر بطريقة جيدة، وهو ملبّس من الخارج بالطين، وله سبع فتحات مستطيلة للمراقبة والرماية.

ومن أهم الأبراج أيضاً: برج سمحة الذي يطل على وادي حنيفة، ويقع شمال غرب الدرعية، وبُني من الحجر بشكل مخروطي، وللبرج سلم داخلي يصل إلى السطح، وقد استُخدم البرج في المراقبة والرماية عبر الفتحات، كما أن مبنى البرج يتّسع لأكثر من مدفع من الداخل، ويحتوي على قبو لتخزين الذخيرة.

وادي حنيفة

ولا يمكن الحديث عن عمارة الدولة السعودية الأولى دون التطرق إلى وادي حنيفة، الذي يعد منذ قديم الزمان على درجة كبيرة من الخصوبة ووفرة المزروعات، وانتشر السكان من حواليه بكثافة، ويشهد على ذلك انتشار القرى من أعلاه إلى أسفله. وقد سُمّي الوادي بهذا الاسم نسبةً إلى قبيلة "بنو حنيفة" التي سكنت فيه قبل الإسلام، ويمر الوادي بين حيين من أحياء الدرعية، وهما: حي الطريف من الغرب، وحي البجيري من الشرق، وكان يُطلق على الوادي قديماً وادي الباطن، ووادي العِرض أو عِرْض اليمامة.

حي الطريف

حي الطريف، يعد أيضا من أهم المعالم المعمارية للدولة السعودية الأولى، ويطل الحي على وادي حنيفة من الناحية الغربية، وهو مقر الحكم في عصر الدولة السعودية الأولى، وفي هذا الحي توجد مجموعة من القصور الفخمة، كقصر سلوى، وقصر الإمام عبدالله بن سعود، وقصر الأمير ثنيان بن سعود، وقصر الأمير عمر بن سعود الذي يُطلق عليه مقصورة عمر، والذي كان من أهم المواقع الدفاعية لحي الطريف، وقصر الضيافة الذي يحتوي على حمّام الطريف، وقد أُدرج حي الطريف عام 1432هـ/ 2010م ضمن قائمة التراث العالمي التابعة لليونسكو.

ويبرز في حي الطريف بالدرعية أهم نموذجين في عمارة الدرعية، وهما قصر سلوى والجامع الكبير، فما زالت بقايا القصر والجامع تعكس عظمة تلك العمارة، إضافةً إلى القصور الأخرى وبيوت الأمراء، حيث أضافت عمارة الدرعية عناصر غير مألوفة في الجزيرة العربية، منها الارتفاع الكبير حيث بلغ ارتفاع "قصر سلوى" بين 22 و23 متراً، كما أن ضخامة الأسوار وسماكتها تعد علامة فارقة على وجود مدينة كبيرة تمتلك من الموارد والأهمية الاقتصادية ما يبرّر إحاطتها بهذا السور المهيب.

قصر سلوى

أما قصر سلوى، فيقع في الجهة الشمالية الشرقية من واجهة حي الطريف، وبناه الإمام عبدالعزيز بن محمد ليكون مقراً للحكم في عصر الدولة السعودية الأولى، ويعتبر القصر من أهم معالم الدرعية الأثرية، إذ شهد القصر على رحلة توحيد الجزيرة العربية، ومنه صدرت الأوامر المهمة، وشيّد القصر بإتقان ومهارة ودقة في النِّسب المعمارية، فضلاً عن تعدد في الطوابق الذي لم يكن مألوفاً آنذاك، وفي القصر وُضعت قاعات مخصصة لمجالس العلم والثقافة.

مسجد وسبالة موضي

تعد أيضاً من المعالم المعمارية البارزة للدولة السعودية الأولى، وتتكون السبالة من طابقين، ويحيط بها فناء مكشوف، وكانت تُستعمل في إقامة وسكنى التجار الرحُّل القادمين إلى الدرعية، وبجانب السبالة كانت هناك محال تجارية تُقام بشكل مؤقت لتقديم الخدمات للتجار والوافدين إلى الدرعية، ويرتبط بالسبالة أيضًا مسجد، ومجلس، وغرف للنوم، وغرف للطعام وللتخزين، ومطابخ تقع جميعها في الطابق الأرضي.

وبعيداً خارج الدرعية ظهر مسجد طبب الذي أمر ببنائه الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد في عام 1220هــ/1805م، في قرية طبب كنموذج آخر للتصاميم المعمارية التي تغلب على مساكنها الحجارة بهندسة معمارية تعكس أسلوب البناء في المنطقة الجنوبية في الدولة السعودية الأولى.

أما حمّام الطريف، فقد أُنشئ إلى جانب الوحدات السكنية المخصصة للضيوف في جنوب حي الطريف، ويتكون الحمّام من ثلاث حجرات أولها باردة، ثم دافئة، ثم ساخنة، حتى ينتقل المستحم بين الغرف تدريجياً ولا يصاب بالأذى عند تغيّر الجو.

وعن بنائه يُحكى أن الإمام سعود بن عبدالعزيز قرر الاستفادة من وفرة أموال الدولة في ظل استقرار البلاد اجتماعياً وثقافياً، لاسيما عندما شعر بأن العاصمة أصبحت مقصداً مهماً لأمراء الأقاليم ورؤساء القبائل، ولذلك فكر في إقامة منشآت معمارية وحضارية تخدم السكان والوافدين، وكان من ضمنها حمّام الطريف، فأصبح من الآثار المهمة في الدرعية التي ترمز إلى حضارة المكان ومواكبته للعصر.

ووفق حديث رئيسة قسم التاريخ بجامعة الأميرة نورة د. منى الغيث لـ"أخبار 24"، فإن عمارة الدرعية بدأت بالتدريج وفق ما هو متاح من المواد الأولية من سعف النخل والطين، وبنشوء الدولة وتطوّر الاقتصاد واستقطاب البنّاءين من مختلف أنحاء الجزيرة العربية دخلت مواد أخرى، مثل الصخر، والأخشاب وتطوّرت الزخارف والنقوش، وبرزت التصميمات الخاصة.

وكان توحيد شطري الدرعية نقطة انطلاق نحو هوية عمرانية خاصة، فبحسب أستاذ التاريخ الحديث د. سعيد القحطاني، كانت الدرعية تحكم في جهتين، لكن استطاع الإمام محمد بن سعود أن يقوم بتوحيد الدرعية وأن يحكمها كدولة واحدة.

 

أضف تعليقك
paper icon
أهم المباريات