مع اتساع نطاق الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتركيز إيران في ردّها على البنية التحتية للطاقة في دول الخليج، برز حقل الشيبة النفطي كأحد المواقع الاستراتيجية التي حاولت الهجمات العدائية الإيرانية استهدافها، حيث تعرض لهجمات بـ75 طائرة مسيّرة منذ بدء الحرب في 28 فبراير الماضي، نجحت قوات الدفاع الجوي السعودية في صدّها جميعا وتدميرها.

يقع حقل الشيبة النفطي في عمق صحراء الربع الخالي جنوب شرق السعودية، بالقرب من الحدود مع الإمارات، ويعد من أكبر مشاريع الطاقة البرية في العالم، وتشغله أرامكو، التي طورته ليصبح أحد أهم مصادر إنتاج النفط عالي الجودة في المملكة.

حقل الشيبة.. مشروع عملاق في أقسى بيئة صحراوية

اكتُشف النفط في حقل الشيبة عام 1968، لكن تطويره تأخر لسنوات طويلة بسبب صعوبة التضاريس في صحراء الربع الخالي، حيث الكثبان الرملية الضخمة والحرارة المرتفعة التي تتجاوز 50 درجة مئوية. ومع تقدم التقنيات النفطية في التسعينيات، بدأت عمليات التطوير الفعلي، ليبدأ الإنتاج التجاري عام 1998.

وتطلب ضخّ النفط من المشروع بنية تحتية ضخمة شملت: إنشاء طريق بطول نحو 386 كيلومتراً وسط الصحراء، وحفر أكثر من 145 بئراً نفطية، ومدّ خط أنابيب بطول 645 كيلومتراً لنقل النفط إلى مرافق المعالجة، إضافةً إلى بناء مرافق سكنية ومطار ومنشآت تشغيلية متكاملة للعاملين في الموقع. هذه التحديات جعلت من تطوير الحقل واحداً من أكثر المشاريع النفطية تعقيداً في العالم.

مليون برميل يومياً من النفط عالي القيمة

يعد حقل الشيبة من أهم حقول النفط في السعودية، إذ تبلغ طاقته الإنتاجية حالياً نحو مليون برميل يومياً من النفط العربي الخفيف جداً، وهو من أعلى أنواع النفط جودة وقيمة في الأسواق العالمية.

وتشير التقديرات إلى أن احتياطيات الحقل تصل إلى نحو 14 مليار برميل من النفط إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي، ما يجعله أحد الأعمدة الأساسية لإمدادات الطاقة السعودية والعالمية.

كما يضم الحقل مشروعاً لاستخلاص "سوائل الغاز الطبيعي" بطاقة تصل إلى 2.4 مليار قدم مكعبة يومياً، ما يعزز دوره في دعم الصناعات البتروكيماوية وتوفير اللقيم للصناعة في المملكة.

لماذا يعد حقل "الشيبة" هدفاً استراتيجياً؟

تعود أهمية حقل حقل الشيبة النفطي إلى مجموعة من العوامل التي تجعله أحد المواقع الحيوية في قطاع الطاقة. ويأتي في مقدمة هذه العوامل حجم إنتاجه الكبير، إذ يضخ نحو مليون برميل من النفط يومياً، وهو رقم يمثل نسبة مؤثرة من إجمالي إنتاج النفط في المملكة العربية السعودية.

كما يتميز الحقل بإنتاج خام نفطي خفيف عالي الجودة، وهو من الأنواع المفضلة في الأسواق العالمية نظراً لسهولة تكريره وارتفاع قيمته الاقتصادية مقارنة بأنواع النفط الأخرى.

ويقع الحقل في موقع جغرافي داخل عمق الصحراء في الربع الجنوبي الشرقي من المملكة، بعيداً عن المدن، لكنه في الوقت ذاته قريب نسبياً من مسارات وخطوط تصدير النفط في شرق البلاد، ما يمنحه أهمية لوجستية في منظومة الإمدادات النفطية.

وتبرز أهميته أيضاً على مستوى الأسواق العالمية؛ إذ إن أي اضطراب قد يؤثر في عمليات الإنتاج أو الإمداد من الحقل يمكن أن ينعكس سريعاً على أسعار النفط، نظراً لضخامة إنتاجه ودوره في استقرار الإمدادات، ولهذه الأسباب يُعد الحقل أحد المواقع الحساسة ضمن منظومة أمن الطاقة في منطقة الخليج.

كم مرة استُهدف حقل الشيبة منذ بدء الحرب؟

تُشير البيانات العسكرية الصادرة عن وزارة الدفاع السعودية إلى أن حقل الشيبة النفطي تعرّض منذ بداية الحرب لسلسلة من محاولات الاستهداف باستخدام طائرات مسيّرة، إلا أن جميعها أُحبطت قبل وصولها إلى الحقل.

وكانت أولى تلك المحاولات في السابع من مارس الجاري، عندما تم اعتراض نحو 21 طائرة مسيّرة، تلتها عدة محاولات متفرقة خلال الأيام التالية. ووفق البيانات المنشورة على حساب الوزارة في منصة إكس، تم في الثامن من مارس إسقاط ثلاث مسيّرات، وفي التاسع من مارس اعتراض 21 مسيّرة أخرى.

كما تم في العاشر من مارس إسقاط مسيّرتين قبل وصولهما إلى الحقل، فيما جرى في الحادي عشر من مارس اعتراض 8 طائرات مسيّرة. أما في الثاني عشر من مارس فقد أعلنت الوزارة إسقاط 17مسيّرات كانت متجهة نحو المنطقة، وذلك قبل وصولها إلى هدفها.

أمن الطاقة العالمي في مرمى الخطر

إدخال منشآت النفط الكبرى في دول مجلس التعاون الخليجي، ومن بينها حقل الشيبة، ضمن نطاق الاستهداف العسكري يعكس تحولاً في طبيعة الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، إذ لم تعد المواجهة محصورة في الضربات العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى استهداف الاقتصاد العالمي عبر الطاقة.

ومع استمرار الحرب في يومها الثالث عشر، يظل حقل الشيبة أحد أهم المواقع التي تحظى بحماية مشددة من قِبل قوات الدفاع الجوي، نظراً لدوره الحيوي في توازن سوق النفط العالمي.