close menu

لماذا "صندوق الاستثمارات" مهم لاقتصاد المملكة؟

بناء مستقبل أفضل مليء بالفرص والحلول المبتكرة

في قلب "رؤية السعودية 2030"، لم يعد صندوق الاستثمارات العامة مجرد صندوق سيادي يدير الفوائض المالية، بل تحول إلى المحرك الأساسي والذراع الاستراتيجي الأنشط الذي يقود عملية التحول الاقتصادي الكلي.

تنطلق فلسفة الصندوق الاستثمارية من رؤية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيزفي بناء "اقتصاد قوي قائم على أسس متينة تتعدد فيه مصادر الدخل"، وهو ما جسده ولي العهد رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس إدارة الصندوق الأمير محمد بن سلمان، بتأكيده على أن الصندوق أصبح أحد المحركات الأساسية لنمو اقتصاد المملكة عبر مضاعفة حجمه بخطى ثابتة.

اليوم لا يكتفي الصندوق بمراكمة الأصول، بل يعمل لمستقبل الاقتصاد عبر الربط الوثيق بين تنمية الثروات السيادية وتطوير قطاعات واعدة لم تكن موجودة من قبل، معززاً من كفاءة رأس المال الوطني وممهداً الطريق لتحول تاريخي جعل من المملكة وجهة عالمية للاستثمار.

ويمكن تلخيص رؤية الصندوق المستقبلية، في بناء أسس النجاح المستدام على المدى الطويل عبر ربط شبكات القيم وتعزيز الابتكار، وتمكين ظهور قطاعات جديدة، مع استثماره لبناء مستقبل أفضل مليء بالفرص والحلول المبتكرة، بالإضافة إلى التركيز على النمو المستدام للمملكة والعالم.

الصندوق الذي جرى تأسيسه عام 1971م بمرسوم ملكي، كان طوال تلك العقود الممتدة رافداً اقتصادياً وطنياً عبر مساهمته في تأسيس الشركات الحيوية الكبرى محلياً ومموِّلاً للكثير من المشاريع الاستراتيجية للاقتصاد الوطني، لكن حدثت النقلة النوعية الأكبر في مسيرة الصندوق عام 2015م بعدما صدر قرار مجلس الوزراء بربط الصندوق بمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية.

وجرت بعد ذلك عملية إعادة تكوين مجلس الإدارة ليصبح برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، ليتحول إلى المحرك الذي يقود الاقتصاد بأكمله، حيث ارتفعت الأصول تحت إدارته من نحو 570 مليار ريال في 2015، لتتجاوز 3.47 تريليون ريال مستهدفاً عَشرة تريليونات ريال بحلول 2030.

أهمية الصندوق لاقتصاد المملكة

تكمن أهمية الصندوق في 3 مسارات هي تنويع القاعدة الإنتاجية من خلال دخوله العديد من القطاعات مثل إطلاق "سِير" في صناعة السيارات الكهربائية، وكذلك "نيوم" و"البحر الأحمر" في السياحة، وصولاً إلى "القدية" في قطاع الترفيه والرياضة الذي أصبح يُساهم فعليًا في الناتج المحلي.

ويعمل الصندوق أيضاً على خلق الوظائف وتوطين الصناعة، حيث يشترط نقل التقنية وتوطين المعرفة وهو ما جرى مثلا في "لوسيد" عبر خلق الآلاف من الفرص الوظيفية النوعية للشباب السعودي في مجالات حديثة، كما يركز على الاستثمار في المستقبل من خلال استثماراته بالتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة.

وتزداد أهمية الصندوق بقوة لدوره في تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط، وجذب الاستثمارات العالمية، مع خلق وظائف جديدة، ودعم الشركات الوطنية وتطوير الصناعات، وقيادة التحول نحو اقتصاد المستقبل، بالإضافة إلى تعزيز القوة المالية للمملكة، وتطوير قطاعات جديدة بالكامل.

إعلان استراتيجية 2026 - 2030

أقرّ مجلس إدارة الصندوق استراتيجيته 2026 - 2030، التي تُعد استكمالًا لتوجهه طويل الأمد، على أن يركز على بناء منظومات اقتصادية محلية بقدرة تنافسية عالية، بما يدعم التكامل بين القطاعات وتعظيم قيمة الأصول الاستراتيجية واستدامة العوائد.

وتمثّل استراتيجية 2026 - 2030 تقدمًا طبيعيًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة جديدة من تحقيق القيمة المستدامة وتعظيم الأثر ورفع كفاءة الاستثمارات، وتطبيق أعلى معايير الحوكمة والشفافية والتميّز المؤسسي، إضافة إلى تعزيز دور القطاع الخاص بوصفه شريكًا فاعلًا في التنمية المستدامة.

وتتوزع استثمارات الصندوق ضمن استراتيجيته الجديدة على ثلاث محافظ استثمارية، أولها "محفظة الرؤية"، التي تهدف إلى تعزيز التكامل بين القطاعات الاستراتيجية ذات الأولوية وتضم المنظومات الاقتصادية كلًا من "السياحة والسفر والترفيه"، و"التطوير العمراني والتنمية الحضرية"، و"الصناعات المتقدمة والابتكار"، و"الصناعة والخدمات اللوجستية"، و"البنية التحتية للطاقة النظيفة والمتجددة والمياه"، و"نيوم".

كما تركز المحفظة الثانية "محفظة الاستثمارات الاستراتيجية" على إدارة وتعظيم عوائد الأصول الاستراتيجية، وزيادة الأثر الاقتصادي لشركات الصندوق، ودعم جهودها لجذب الاستثمارات المحلية والدولية، والتحول إلى شركات عالمية رائدة، وأما المحفظة الثالثة فهي "محفظة الاستثمارات المالية" فستركز على تحقيق عوائد مالية مستدامة لتعزيز المركز المالي للصندوق ودوره في مواصلة تنمية الثروة الوطنية لصالح الأجيال المقبلة.

إنجازات حققها الصندوق بالأرقام

حقق الصندوق ارتفاعاً في الأصول تحت الإدارة من 500 مليار ريال عام 2015 إلى ما يفوق 3.4 تريليون ريال في عام 2025، كما واصل تحقيق إجمالي عائد على المساهمين يتجاوز 7% على أساس سنوي منذ عام 2017.

ونجح الصندوق في استثمار قرابة 750 مليار ريال محليًا في المشاريع الجديدة خلال الفترة من عام 2021 إلى عام 2025، وكذلك المساهمة تراكميًا بـ 910 مليارات ريال في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي للمملكة خلال الفترة من عام 2021 إلى عام 2024، لتصل مساهمته إلى قرابة 10% من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي للمملكة في عام 2024.

كما أنفق قرابة 590 مليار ريال في المحتوى المحلي خلال الفترة من عام 2021 إلى عام 2024، وكذلك توسع في الحضور العالمي بافتتاح عدد من المكاتب لشركات تابعة حول العالم في آسيا وأوروبا وأمريكا، بهدف تعميق ارتباط الصندوق في الأسواق الدولية ذات الأولوية والاستثمار في القطاعات والصناعات والشركات التي ستشكل اقتصادات المستقبل.

وتُرجمت تلك الأرقام الهائلة من نجاحات اقتصادية للصندوق من خلال حصوله على تصنيفات ائتمانية مرتفعة من وكالات التصنيف الثلاث الكبرى، ضمن نخبة محدودة من الصناديق السيادية التي تحمل تصنيفات مماثلة، حيث رفعت وكالة التصنيف الائتماني العالمية "موديز" تصنيف الصندوق إلى (Aa3)، مع نظرة مستقبلية مستقرة، كما منحت وكالة "فيتش للتصنيف الائتماني" صندوق الاستثمارات العامة تصنيف مُصدر طويل الأجل عند (A+)، مع نظرة مستقبلية مستقرة.

مشاريع الصندوق واستثماراته

يعتمد صندوق الاستثمارات نهجًا استثماريًا منضبطًا، ويسعى إلى تحقيق قيمة طويلة الأجل من خلال شراكات استراتيجية واستثمار رؤوس الأموال بفعالية على المدى الطويل.

المشروعات والاستثمارات الكبرى للصندوق:

ـ نيوم والذي يُعدّ أحد أبرز مشاريع الصندوق فهي تمتد على مساحة 26.5 ألف كيلومتر مربع وتعمل بالكامل على الطاقة المتجددة، لتكون وجهة وموطنًا للأشخاص الحالمين ولمجتمع حيوي تقدّم من خلاله حلول مؤثرة ومبتكرة.

ـ القدية والتي تعتبر الوجهة الأولى من نوعها في المنطقة المخصّصة للترفيه والرياضة والثقافة، كما يتوقع أن تصبح القدية وجهة عالمية مميزة، حيث ستكون موطناً لأكثر التجارب ابتكارًا وتنوّعًا في مجال الترفيه، فهي تمتدّ على مساحة تبلغ 376 كيلومترًا مربّعًا، وتسعى إلى دفع عجلة الاقتصاد وفتح مسارات مهنية مبتكرة تُثري حياة الشباب في المملكة.

ـ البحر الأحمر الدولية فهي الجهة المطورّة لوجهتي "البحر الأحمر" و "أمالا" وهما من المشاريع السياحية الأكثر طموحاً في العالم، تضع الإنسان والطبيعة في مقدمة أعمالها، حيث تأسست شركة البحر الأحمر الدولية في عام 2018 وتمتد الوجهة على مساحة تزيد على 28 ألف كيلومتر مربع وتضم رابع أكبر حيد مرجاني مزدهر في العالم، فيما يتوقع أن تساهم في الوصول إلى مليون زائر بحلول عام 2030.

ـ مجموعة روشن فهي تعد المطور العقاري الرائد متعدد الأصول في المملكة وتساهم في تحقيق مستهدفات رؤية السعوية 2030 وإعادة تشكيل المشهد الحضري من خلال تطوير وجهات حيوية متكاملة تتمحور حول الإنسان، حيث وسّعت مجموعة روشن نطاق مشاريعها لتشمل عدة قطاعات مثل التجزئة والرياضة والضيافة.

ـ شركة الدرعية التي تأسست في عام 2022 وتضم إحدى المناطق المدرجة في قائمة اليونيسكو للتراث العالمي، كما تقدم مزيجًا من المعالم الثقافية والتاريخية والسياحية، وتعرض بفخر 300 عام من تاريخ المملكة للعالم، بينما يخطط لها بأن تسعى إلى إطلاق قدرات القطاعات الواعدة، وأن تصبح الوجهة الثقافية والتراثية الأكبر في العالم بهدف تعزيز مكانة المملكة في قطاعي السياحة والثقافة على المستويين الإقليمي والدولي.

تأثيره في اقتصاد المملكة

يمكن قياس تأثير الصندوق في الاقتصاد من خلال عدة نقاط أبرزها التوسع الهادف عبر تعظيم القيمة التي تحققها المملكة على المدى الطويل، وكذلك الاستثمار النشط حيث يسهم التعاون الوثيق مع شركات محفظة الصندوق في تحقيق قيمة مستدامة عبر تطبيق الحوكمة والسعي المستمر نحو التطوير والتحسين، إلى جانب الخيارات الاستثمارية الواثقة من أجل تحقيق عوائد مالية كبيرة وقيمة اقتصادية مستدامة.

وتشمل تلك المسارات أيضاً تحفيز المنظومات الاقتصادية عبر فتح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار إلى جانب شركات محفظة الصندوق، مع أهمية الاستثمارات الاستراتيجية التي تعمل مع قادة القطاع على تعزيز القدرات واستقطاب رأس المال من خلال الاستثمارات والمشاريع المشتركة، وتسريع تحقيق النتائج على المستوى الوطني.

في الختام، يبرز صندوق الاستثمارات كضمانة للاستدامة المالية وحارس لثروات الأجيال القادمة، ملتزماً بأعلى معايير الحوكمة العالمية، إن الأثر النهائي للصندوق لا يقاس فقط بالأصول التي تجاوزت 3.4 تريليون ريال، بل في خلق مئات الآلاف من الوظائف، وتوطين التقنيات الحساسة، وتحويل المملكة إلى قطب مالي وصناعي عالمي.

5 images icon
أضف تعليقك
paper icon