في حدث تاريخي ربما يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، أسدل الستار على 37 عاماً من حقبة الرجل الأقوى في طهران المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، بعد إعلان طهران رسمياً مقتله في غارة جوية مباغتة.
العملية التي وصفت بأنها الأعنف والأكثر دقة استخباراتياً، لم تكتفِ بتصفية رأس الهرم في النظام الإيراني، بل أطاحت بدائرته الضيقة، لتضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة ومجهولة، "أخبار 24" تتبع في هذا التقرير تفاصيل العملية الدقيقة من لحظة التنفيذ وحتى الإعلان الرسمي.
ستون ثانية.. عملية خاطفة واختراق الحصون
تكشفت خيوط العملية المعقدة التي نفذتها طائرات شبحية، يُرجح أنها إسرائيلية بتنسيق استخباراتي أمريكي رفيع المستوى، عن دقة معلوماتية اخترقت أعتى دوائر السرية في طهران.
وذكر مصدران أمريكيان ومسؤول أمريكي وفقاً لـ"رويترز" أن إسرائيل والولايات المتحدة حددتا وقت هجومهما بعد ورود معلومات مؤكدة عن اجتماع سيعقده المرشد الإيراني مع كبار مساعديه، صباح يوم السبت 28 فبراير.
وبدأت العملية في ساعات الصباح الأولى، حيث شنت مقاتلات من طراز "F-35" هجوماً متزامناً لم يستغرق سوى 60 ثانية، ولم تكتشفه الرادارات الإيرانية إلا بعد فوات الأوان، على مجمع المرشد السكني ومكتبه في العاصمة الإيرانية طهران.
وبحسب التقارير العسكرية، فإن الطائرات لم تستخدم قصفاً عشوائياً، بل وجهت صواريخ ذكية وقنابل خارقة للتحصينات صممت خصيصاً للوصول إلى أعماق الأرض، حول الهدف المحدد إلى ركام في ثوانٍ معدودة، وأكد خبراء عسكريون أن نوعية المتفجرات المستخدمة كانت كفيلة بتدمير طبقات الخرسانة المسلحة التي كان يحتمي خلفها المرشد، مما جعل فرص النجاة معدومة تماماً.
ضربة خاطفة حولت المجمع المحصن إلى قبر لخامنئي
جاءت عملية اغتيال علي خامنئي على خلاف التوقعات التي رجّحت فرار القيادة الإيرانية من العاصمة، إذ نُفذت الضربة في قلب طهران داخل المجمع الحكومي المحصّن في منطقة باستور، الذي يضم مكتب المرشد ومقار الرئاسة ومجلس الأمن القومي.
وبدأت العملية عند السادسة صباحاً بتوقيت إسرائيل، مع إقلاع عدد محدود من الطائرات المزوّدة بأسلحة دقيقة بعيدة المدى، قبل أن تصيب الصواريخ أهدافها بعد ساعتين وخمس دقائق، عند الساعة 9:40 صباحاً بتوقيت طهران، وكان كبار المسؤولين مجتمعين في أحد المباني، فيما كان خامنئي يعقد اجتماعاً سرياً طارئاً داخل مبنى قريب مجهّز بأحدث أنظمة الحماية.
ووفق المعلومات، استهدف القصف مجمع "بيت المرشد" الذي يضم مكتب ومنزل المرشد الأعلى، حيث دمّرت الصواريخ الهيكل الأساسي للمبنى ما أدى إلى انهياره بالكامل. كما أشارت المعلومات إلى أن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية كانت متعددة وموزعة على عدة مواقع، ولم تستهدف اجتماعاً كاملاً للقيادات.
سقوط الدائرة الضيقة وقيادات الصف الأول
لم يكن خامنئي هو الضحية الوحيدة لهذا الهجوم الكاسح؛ فقد كشفت التسريبات التي أكدتها لاحقاً وسائل إعلام إيرانية، أن الضربة قضت على "عقل النظام" بالكامل، فقد أودى الهجوم في اللحظة ذاتها بحياة 7 من كبار قادة الأمن الإيرانيين الذين كانوا مجتمعين في مواقع متفرقة، ونحو 40 قيادياً آخرين، إضافة إلى مقتل عدد من أفراد عائلة المرشد، وتحديداً ابنته وزوجها وحفيده وزوجة ابنه.
عسكرياً، كانت الخسارة فادحة بمقتل وزير الدفاع عزيز ناصر زاده، ورئيس هيئة الأركان العامة اللواء عبد الرحيم موسوي، إلى جانب قائد الحرس الثوري محمد باكبو، خلال حضورهم الاجتماع لتقديم إيجاز أمني، مما أحدث فراغاً قيادياً مفاجئاً شل قدرة القوات المسلحة الإيرانية على الرد الفوري أو التنسيق في الساعات الأولى عقب الهجوم.
عملية استخباراتية بامتياز
لم تكن هذه الضربة المزدوجة وليدة الصدفة، بل جاءت تتويجاً لعمليات جمع معلومات استخباراتية مضنية استمرت لعقود قادتها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، منها السيطرة على كاميرات المرور في طهران التي وفرت تفاصيل وعناوين وساعات عمل كبار المسؤولين الذين كانوا يترددون على المجمع الحكومي المستهدف.
كما امتلكت إسرائيل القدرة على الوصول إلى 12 برجًا للهواتف المحمولة قرب المجمع الحكومي، ما سمح لها بتعطيل تلك الأبراج وقت الهجوم وهو ما منع وصول أي تحذيرات محتملة إلى الفريق الأمني لخامنئي.
وخلال الأشهر الستة الأخيرة شاركت الاستخبارات الأمريكية بكثافة عالية ووفرت موارد تكنولوجية متطورة ومعلومات استراتيجية دقيقة حول تحركات القيادات الإيرانية ومواقعهم، هذا التعاون مهد لتنفيذ ما يُعرف عسكرياً بـ"ضربة قطع الرأس"، وهي استراتيجية تهدف إلى تدمير هرم القيادة في النظام الإيراني بضربة واحدة دقيقة ومباغتة لا تترك مجالاً للنجاة.
ساعات التخبط وتأكيد طهران للوفاة
عاشت طهران ساعات عصيبة من التخبط الإعلامي والإنكار قبل الاعتراف بالحقيقة، ففي الساعات الأولى التي أعقبت دوي الانفجارات، ساد الغموض والتخبط في الأوساط الرسمية الإيرانية، وسارعت طهران في البداية إلى نفي الشائعات بشكل قاطع، حيث صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بأن المرشد الأعلى بصحة جيدة وأنه بخير.
لكن مع تكشف الحقائق وتأكيدات الاستخبارات الغربية، اضطر النظام للخروج عن صمته، فقطع التلفزيون الرسمي بثه الاعتيادي، وظهرت الشاشة سوداء تتلو آيات من القرآن الكريم، قبل أن يطل مذيع الأخبار بملابس سوداء وصوت متهدج ليعلن بيان "المجلس الأعلى للأمن القومي" الذي نعى فيه المرشد، معلناً الحداد العام وتعطيل الدوائر الحكومية.
العالم يترقب: شماتة الخصوم ووعيد الحلفاء
فور شيوع النبأ، تباينت ردود الفعل الدولية بشكل حاد يعكس الانقسام العالمي تجاه طهران؛ في واشنطن، سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحديث بلهجة المنتصر، مؤكداً أن ما حدث هو "رسالة واضحة بأن ذراع العدالة طويلة ولا يمكن الإفلات منها"، مشيراً إلى أن العملية تمت بناءً على معلومات دقيقة ومتابعة حثيثة، وفي تل أبيب، لم يخفِ رئيس الوزراء الإسرائيلي ابتهاجه، واصفاً العملية بأنها "تغيير لمجرى التاريخ في الشرق الأوسط".
في المقابل، توعدت طهران عبر رئيسها مسعود بزشكيان بردٍ مزلزل لا يبقي ولا يذر، في وقت بدأت فيه الفصائل الموالية لإيران في المنطقة بإعلان درجة الاستنفار القصوى، مما يضع المنطقة برمتها على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة.
الشارع الإيراني بين الاحتفال والحداد
أحدث هذا الاغتيال زلزالاً مدوياً في الشارع الإيراني الذي ظهر منقسماً بشكل حاد وغير مسبوق، فبمجرد ورود تأكيدات الوفاة، سُمعت هتافات وخرجت حشود من المدنيين الإيرانيين إلى شوارع بعض الأحياء في طهران في مشاهد احتفالية تعبيراً عن فرحتهم بانتهاء حقبة المرشد.
وفي تناقض صارخ للمشهد، تجمعت حشود أخرى بعشرات الآلاف في العاصمة طهران ومدن رئيسية مثل أصفهان وشيراز في مسيرات غاضبة، حيث لوحوا بالأعلام الإيرانية ورددوا هتافات تشجب الاغتيال، يعكس هذا الانقسام الداخلي الحاد حجم التحديات التي ستواجهها إيران في مرحلة ما بعد خامنئي، وسط ترقب دولي لمسار الأحداث القادمة في المنطقة.

























