في ذاكرة المواطنة أم عبدالله، لا تُروى رحلة الحج كحكاية طريق فحسب، بل كقصة عمرٍ محفوفة بالتعب، تتقاطع فيها مشقة السفر مع قلق العودة، وتختصرها جملة واحدة كانت تتردد: "ناس يرجعون وناس ما يرجعون".
كان الحجاج يقطعون المسافات الطويلة على ظهور الحمير
وتروي المواطنة أم عبدالله عن زمنٍ كان فيه الحج رحلةً لا تشبه ما نراه اليوم، رحلة تبدأ بالإيمان وتنتهي أحيانا بالمجهول، لم يكن الوصول إلى مكة أمراً يسيراً، فقد كان الحجاج يقطعون المسافات الطويلة من الباحة على ظهور الحمير، أو سيراً على الأقدام، خاصة في شهر رمضان، يمضون نهارهم في صيام شاق، ثم يواصلون المسير بعد الإفطار، بلا طرق ممهدة ولا وسائل راحة.
وتمضي أم عبدالله في روايتها: "كان الطريق يستغرق ثلاثة إلى أربعة أيام، نبيت فيه ونفطر ونتغدّى بين الجبال والوديان، وبعض الناس لم يجدوا حتى الجمال التي تقلّهم.. يمشون ويصبرون"، وفي ظل تلك الظروف، لم تكن العودة مضمونة، فكم من حاجٍ خرج ولم يعد، لتبقى رحلته ذكرى حزينة في قلوب أهله.
تلك الرحلات لم تخل من مواقف تختزن الألم والصبر معًا؛ إذ تستعيد أم عبدالله لحظةً كانت تحمل فيها ابنها خالد، بينما يحمل زوجها ابنتهما على الطرق الوعرة، في مسيرٍ لا يكاد ينتهي. وتضيف: "في مرة ركبنا في قلاب، وظللنا 24 ساعة في الطريق"، في إشارة إلى بساطة الوسائل وقسوة الرحلة حينها.
وتصف أم عبدالله تلك الأيام بقولها: "كانت المنطقة مراعي للغنم، لا مشاريع ولا طرق ولا سيارات، ولا شيء يشبه ما نراه اليوم".
لكن الحكاية لا تنتهي عند حدود المشقة… بل تمتد إلى زمنٍ آخر، زمنٍ تبدّل فيه كل شيء، فمع تطور المملكة ونهضتها، تحولت تلك الرحلة القاسية إلى تجربة ميسّرة وآمنة؛ شُقت الطرق وسط الجبال، وفُجّرت الصخور لتُعبد المسارات، واختُصرت الأيام إلى ساعات، حتى أصبح الطريق الذي كان يستغرق أيامًا لا يتجاوز اليوم سويعات فقط.
تقول أم عبدالله بإعجاب: "الآن ما شاء الله، طرق آمنة ومشروعات كبيرة.. كل شيء تغيّر"، متوجهة بالشكر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان وكل المسؤولين وكل من ساهم في تذليل العقبات أمام الحجاج.
وهكذا وبين ماضٍ محفوفٍ بالتعب، وحاضرٍ مغمورٍ بالتيسير والأمان والتطور والرقمنة، تبقى قصة الحج شاهدًا حيًا على رحلة وطنٍ لم يكتفِ بتسهيل الطريق، بل أعاد رسمه ليكون أكثر أمانًا وراحة، في مشهدٍ يعكس حجم التحول الذي عاشته المملكة، من دروبٍ وعرة إلى طرقٍ معبّدة بالإنجاز.



























